كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء":
لا شك أن المخاض الذي مرّت به مرحلة تأليف الحكومة العتيدة كان عسيراً جداً، وباعتراف جميع القوى الموالية والمعارضة انه لولا استخدام رئيس مجلس النواب نبيه برّي مبضعه في آخر لحظة لكنا حتى الساعة من دون حكومة، ولكانت الأمور قد اشتدت تأزماً وتعقيداً بفعل الظروف التي أحاطت بعملية التأليف على المستويين الداخلي والخارجي.
وإذا كان تأليف الحكومة قد شكّل عامل اطمئنان لدى اللبنانيين في الداخل وشجّع المغتربين في الخارج على المجيء إلى وطنهم الأم لقضاء فترة الصيف في ربوعه، غير أن ذلك لا يُسقط من الحساب أن أمام هذه الحكومة التي تستعد لاجتياز البيان الوزاري الذي ستمثل على أساسه أمام البرلمان لنيل الثقة بعدما اجتازت المطب الأمني في طرابلس، الكثير الكثير من الاختبارات السياسية والأمنية والاقتصادية والأمنية التي من غير السهل النجاح في معالجتها بفعل تراكمها المستمر منذ سنوات عدّة والتي تؤكد كل المعطيات بأن منسوب هذا التفاقم قابل للازدياد يوماً بعد يوم.
ووفق مصادر سياسية فان طريق الحكومة الجديدة ستكون وعرة وشاقة على أكثر من مستوى، وتحديداً على المستوى السياسي، حيث أن قابل الأيام سيشهد كباشاً سياسياً غير مألوف بينها وبين قوى المعارضة التي تعكف الآن على وضع خطة متكاملة للمواجهة، ستبدأ بتنفيذها انطلاقاً من البرلمان خلال مناقشة البيان الوزاري وتحديداً حول البندين المتعلقين بالمقاومة والمحكمة الدولية مع أن مصادر حكومية تؤكد بأن هاتين النقطتين سيتم التعامل معهما بشكل مرن لا يستفز أي فريق سياسي ويفي بالغرض المطلوب.
وترسم المصادر صورة قاتمة للمرحلة السياسية المقبلة حيث أن ما يجري في المنطقة سيكون له ارتداداته اللبنانية، بحيث أن استمرار الوضع الراهن في المنطقة سيعيق إلى حدّ ما حركة الحكومة التي تحتاج إلى مظلة عربية ودعم دولي في العديد من المحطات والملفات، وهذا ما لا يمكن تأمينه في ظل الظرف الراهن حيث تتجه الأنظار إلى ما يجري من تحركات شعبية ومواجهات في أكثر من بلد عربي، وهو ما يجعل لبنان بنداً متأخراً على الأجندة الإقليمية والدولية.
وفي تقدير هذه المصادر أن المرحلة الراهنة تتطلب سرعة قياسية في تشغيل محركات العمل الحكومي في جميع الاتجاهات وأن الأولوية في هذا العمل يجب أن تعطى للوضع الأمني القابل للاهتزاز في أية لحظة في ظل الاحتقان الموجود في الشارع كنتيجة طبيعية للشحن السياسي الموجود، وأن ثاني هذه الأولويات هو الوضع الاقتصادي والخدماتي الذي بلغ أعلى درجات التفاقم والتأزم.
وترى المصادر أن هذه الأمور تتطلب تحركاً في اتجاه الخارج، وتحديداً باتجاه الدول العربية طلباً للمساعدة، لأن لبنان الذي وصل إلى مرحلة الإعاقة الاقتصادية واللاتوازن السياسي يحتاج إلى من يمد له يد العون، وهذا من غير الممكن تأمينه ما لم يكن المناخ السياسي في البلد مرتاحاً إلى حد تظهر فيه الساحة الداخلية متكاتفة متضامنة، وهذا بدوره يتطلب حواراً بناء بين كل القوى إن عن طريق طاولة الحوار أو ابتداع فكرة أخرى، لأنه من العبث البحث عن حلول للمشكلات القائمة في ظل الانقسام السياسي الموجود، وقد علمتنا التجارب انه من غير الممكن الحصول على أية مساعدة عربية أو أجنبية ما لم يكن الموقف اللبناني موحداً.
غير أن هذه المصادر لا ترى في الأفق القريب أية بوادر لتحقيق هذه الغاية، وهو ما يجعلها تعبّر عن قلقها حيال المرحلة المقبلة التي تعج بالصراعات السياسية التي بات من الصعب احتوائها، لا سيما وأن الخطاب السياسي لمختلف الأطراف قد خرج عن المألوف وباتت الأمور تحتاج إلى معجزة تعيد المياه إلى مجاريها في ما بينهم.
وفي هذا المجال، لا تتوقع المصادر أن يكون الوضع في لبنان في الوقت الراهن ربيعياً، حيث أن هناك حقولاً كثيرة من الألغام ستبرز في الأيام المقبلة، وأن الإخفاق في اجتيازها سيضع لبنان على عتبة المجهول، إذ لا يكفي أن تكون هناك حكومة وأن يكون هناك فريق سياسي يعارض توجهها، بل إن المرحلة تتطلب من الجميع أن يكونوا على مستوى المسؤولية، وأن يضعوا في اولوياتهم مصلحة لبنان التي يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، كون الرياح العاتية التي تعصف بالمنطقة – في حال انتقلت عدواها إلى لبنان – لن تميّز بين فريق وآخر، وأن المصيبة ستقع على الجميع من دون استثناء.
من هنا، فان المصادر نفسها تدق ناقوس الخطر، وترى أن المساحة ضيّقة أمام اللبنانيين لالتقاط أنفاسهم والتأهب للتعامل مع ما هو آت من تحديات ومخاطر سيكون وقعها قاس ما لم تكن الساحة الداخلية محصّنة كفاية لمواجهة هذه المخاطر والتحديات التي تأخذ أشكالاً مختلفة سياسياً واقتصادياً ومالياً.
وتخلص المصادر إلى التأكيد بأن الساحة الداخلية مقبلة على مرحلة من شدّ الحبال وعض الأصابع بين الأفرقاء السياسيين بشكل يجعل هذه الساحة تمكث طويلاً في دائرة التوتر والاحتقان.