عبثاً تحاولون. لن يقول لكم احد حقيقة ما حصل يوم الجمعة بين باب التبانة وجبل محسن، من افتعله ولماذا، ثم لماذا لن يكون الاول والاخير، بل يمكن ان يتكرر على نحو اكثر خطورة. لن يقول احد، لان اصحاب "الرواية الرسمية" لا مصلحة لهم في قول الحقيقة، لا بشأن المرتكبين ولا بشأن دوافعهم. ولم يكن معروفا اذا كان يحسن الاخذ بروايات "المنار" و"ان بي ان" و"او تي في" على انها "الرسمية" باعتبارها اللون السياسي الحالي للحكومة، علما ان الجهة الرسمية، اي الدولة، لم تقدم اي رواية، مكتفية ببيان الجيش. اما الروايات المتشابهة للقنوات الثلاث فتبرعت بقراءة ما بين سطور تلميحات رئيس الحكومة الى المعارضة، اذ لا مصلحة له في القول ان ما حصل مرتبط بالتأزم المتصاعد في سوريا.
اندفعت الرواية "الرسمية" الى الترويج بان الجهة الطرابلسية اشتعلت بفعل الاحتقان السياسي لدى المعارضة غداة ولادة الحكومة الجديدة. ويدعمها ان وزراء طرابلس جاؤوا في ذلك اليوم للاحتفال وتلقي التهانئ، فكان متوقعا اذاً الى استقبالهم بتنغيص فرحتهم. هل هناك اكثر بداهة من هذه العلاقة بين سبب وسبب! وقد فات بعض إعلام الاطراف الحكومية انه اصبح في عهد حكومة الاكثرية الجديدة، اذ استخرج بعض الاسلحة التي كان يستخدمها ايام الحكومة "الوفاقية" السابقة، ومن ذلك مثلا ان "فرع المعلومات" بلغت به البلاهة ان يوزع اسلحة على الملأ بهدف افتعال الحادث. لكن نفيا صارما لهذه "المعلومة" جاء من وزير الداخلية.
كانت هناك سذاجة متسرعة في ربط الاشتباكات بغضب المعارضة، لكن الأسوأ انها كانت تجربة اولى لاستخدام المعارضة شماعة تعلق عليها رواية الاحزاب الحكومية، اي "الرواية الرسمية" بكل ما تعنيه من استخفاف بالمصداقية. فاللبنانيون عرفوا ان الحدث كان سورياً. ولانه كذلك ينبغي الا يتكرر، فلا مصلحة فيه لحكومة او لمعارضة سواء بسواء، بل ان فيه استهدافا للجيش لزجّه في اتون فتنة سنية – علوية مفتعلة ارادتها دمشق عينة لما يمكن ان يحصل في سوريا.
ما جرى في طرابلس يفسر الى حد ما العجلة المفاجئة في تشكيل الحكومة، فمن خلالها سيصار الى ربط لبنان بالحدث السوري، وهو ما لا تستطيعه دمشق مع تركيا او العراق، وما لم تفلح في تفعيله مع اسرائيل، ويصور النظام السوري ما يقدم عليه حاليا بانه "مرحلة حسم". حسم عسكري في جسر الشغور ومعرة النعمان بتفريغهما من السكان وطردهم الى المخيمات التركية. وحسم سياسي في لبنان بعد انتظار شهور استدراجا لعراب مشارك، عربي او حتى تركي، للحكومة الجديدة. وبعد الحسم رسالة عبر طرابلس الى من يهمه الامر في الخارج بان دمشق ستقابل مزيدا من الضغط عليها باشعال فتنة في لبنان. وليس مؤكدا ان هذا الحسم ورسائله سيُفهمان في الخارج على النحو الذي يتمناه النظام، لكنه يحاول.
اهتمت اطراف الحكومة بـ"التوقيت المريب" لاشتباكات طرابلس، ولم تهتم بأن طرفي القتال مشتبه بهما ومن الواضح انهما استخدما في عملية يراد منها ايضا "اختبار" الحكومة، وقد "نجح" رئيسها في هذا الاختبار الاول، اذ انحى باللوم على المعارضة لئلا يعيد الحادث الى أصله واصحابه في سوريا.