#dfp #adsense

عام الزلازل ما زال في أوّله وحكومة الاستقلال الكامل أصبحت ممكنة

حجم الخط

منذ انطلاقة "ثورة الأرز" وإلى اليوم، كانت هناك لحظات يشعر فيها الإستقلاليّون اللبنانيّون أنّهم سجّلوا من خلالها نجاحات ومكتسبات، في مقابل لحظات ذاقوا من خلالها طعم الإنكسار وامتحنوا اختبارات "انسداد الأفق".

فتحقيق الجلاء في أواخر نيسان 2005، والفوز بالإنتخابات النيابية لمرّتين متتاليتين والإنتقال من تقصّي الحقائق إلى التحقيق الدوليّ إلى المحكمة الدوليّة، وربط الإستقلال الثانيّ بمركزية المناصفة وتجديد العهد الميثاقيّ الإستقلاليّ الجماهيريّ سنوياً في عاميات ساحة الحرّية، وتشكيل الإطار الجبهوي لقوى 14 آذار دخلت في الإطار الأوّل، في حين كانت تبعات احتكار الحزب التابع لـ "نظام الملالي" للسلاح واستخدامه لهذا السلاح للمغامرة حيناً ولـ "فتنة قمع الآخرين" حيناً آخر، كانت تصبّ في الإطار الثاني. وإذا استطاع الإستقلاليّون اللبنانيّون تحقيق نجاحات قادت إلى تكليف الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري بتشكيل حكومات، إلا أنّ أيّاً من هذه الحكومات لم ترضهم تشكيلتها أو بيانها الوزاري.

أمّا اليوم، فإنّ تشكيل "حكومة القمصان السود" كإعلان حرب على الصيغة الميثاقية اللبنانية، وكإشعار بسقوط مختلف المواقع والمؤسسات الدستورية من دون استثناء في قبضة أعداء الحرّية، وعودة تدخّل الأنظمة المعادية للحرّية في المنطقة بشكل سافر في تقرير المصير السياسيّ للبنانيين؛ كلّ هذا يفترض فيه أن يحتسب في باب اللحظات التي يشعر أمامها الإستقلاليّون بطعم الإنكسار وبشيء من انسداد الأفق.

مع ذلك، فإنّ أياً من الإستقلاليين، سواء كان منتظماً في حزب أو تيار بعينه أو مستقلاً، لا يشعر بأيّ شيء من هذا القبيل، لأنه وبالقدر نفسه الذي يستشعر فيه مدى خطورة ما تريده "قوى الممانعة" للبنان، فضلاً عن العناوين الكلاسيكية لقدرة هذه القوى على التخريب، فإنّه يعلم، علم اليقين، بأنّ المركز الرئيسيّ للزلزال ليس هنا، وأنه ينبغي على الحركة الإستقلالية أن تتابع بدقّة متأنّية، وليس فقط بحماسة نضالوية، ما يجري في الإقليم.

هل يعني ذلك أنّه ليس عند الحركة الإستقلالية ما تفعله سوى المتابعة الإقليمية؟ كلا، بالتأكيد. لكن في الوقت نفسه، لا بدّ من الإعتراف أوّلاً بأنّ المتابعة الإقليمية ينبغي أن تستحوذ على قسم غير قليل من الإهتمامين السياسي والإعلاميّ للحركة الإستقلالية، بل أن يجري طرق الأمر من الزاوية الفكرية أيضاً. وثانياً، لا بدّ من التأكيد أنّ من حق اللبنانيين المتابعة الإقليمية لزلزال زلازل الربيع العربيّ، وهذا يعني مواجهة عملاء الممانعة هنا من حيث هم يريدون أن يعكّروا على اللبنانيين صفاء المتابعة النقدية الإيجابية للنهضة الثورية العربية، نهضة العروبة الديموقراطية الدستورية اللاقومية واللابعثية.

الحق في متابعة ما يجري، من دون الإنزلاق إلى أي شرك ينصبه الخصم، ينبغي أن يكون عنوان هذه المرحلة التي لن تنقضي إلا ببزوغ فجر جديد للحرّية.
كما أن الحق في المتابعة يعني هنا واجب الإستزادة والاستعانة بتجارب الأقاليم المجاورة للبنان. فهذا الحدث البطوليّ المتواصل يلهي عن كلّ حكومة قامت في الأساس كحكومة إسناد لخيار إقليميّ فئويّ دمويّ، ويبطل أكثر من أي حدث شهده لبنان في السنوات الأخيرة من السحر الأسود للسلاح. إذا كانت الشعوب العربية كلّها لم تخف السلاح، وواجهته في ربيعها العربيّ المجيد، فإنّ اللبنانيين الذين لم ينجح هذا السلاح أصلاً في فرض منظومة الخوف عليهم قبل 7 أيّار، ولم ينجح بفرضها بالشكل الكامل بعد 7 أيّار، هم اليوم في موقع معنويّ أقوى. وفي المقابل، فإنّهم يدركون جيّداً أنّ الحزب التابع لنظام الملالي والذي يمجّد الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الإبادة، هو حزب بمخيلة دمويّة مريضة، بصرف النظر عمّا إذا كان السياق اللبنانيّ يتيح له التعبير التطبيقيّ عن هذا الخيال.

ثمّة بلا شك تخطّ من جانب "قوى الممانعة" للخطوط الحمر لمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن ما يعطي للإستقلاليين اللبنانيين قوة اليوم هو أنّهم ليس بمستطاعهم أخذ كل ذلك على محمل الجدّ، وإنّما النظر إليه كواحدة من لحظات انهيار منظومة الشرّ الممانعاتية في المنطقة.

وحكومة اللون الواحد، إذا ما أحسن الإستقلاليون رصّ صفوفهم، وعقدوا العزم على الإنخراط تماماً في مسيرة الربيع العربيّ، لن تكون إلا الوسيلة التي من خلالها، يمكن، بعد ذلك، أن يفرض الإستقلاليّون اللبنانيّون حكومة الإستقلال الثانيّ الفعلية الأولى، أي الحكومة الخالية تماماً من أي تنازل عن مفهوم الدولة وتبعاته في بيانها الوزاريّ، والخالية تماماً من أي متعاون مع أنظمة معادية للفكرة اللبنانية في تشكيلتها الوزارية.

إنّ لجوء "قوى الممانعة" في لبنان إلى "الحسم الشكليّ" في إطار الهجمة المرتدة الفاشلة التي قامت بها منظومة الممانعة الإقليمية في الأسبوعين الماضيين، هو الذي يتيح للمرة الأولى، ولو نظرياً، "الحسم الفعليّ" من جانب الإستقلاليين اللبنانيين للقضايا الخلافية الأساسية. وكما قيل في تفسير "نظرية التطوّر" الداروينية إنّ الدجاجة هي الوسيلة التي تخترعها البيضة لكي تتكاثر، يمكن القول إنّ نجيب ميقاتي كان لا بدّ من مجيئه إلى رئاسة الحكومة وتشكيله بعد مئة وأربعين يوماً من تعليق أحوال الناس لحكومة من هذا النوع كي يكون بالإمكان لاحقاً إقامة حكومة إستقلالية خالصة في لبنان.

وما نزعمه أنّ هذا الكلام "واقعيّ".. في حين أنّ كل ربط لهذا الكلام بـ "انتظار" استحقاق 2013، هو ربط غير واقعيّ.. من يحيا في سنة 2011 التاريخية لا يمكنه أن يعير بالاً لاستحقاق 2013 الإنتخابيّ منذ الآن.. نحن في سنة التغيرات الإقليمية الكبرى.. وأقلّ ما يقال في هكذا سنة أنّ حكومة نجيب ميقاتيّ ليست أبداً حكومة منسابة في حركة التغيرات الإقليمية الكبرى، وإنّما في حركة المعاندة اليائسة أمام هذه التغيّرات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل