منذ مغادرته بيروت بحرا عن طريق الغولدن بيتش في إحدى الليالي إلى عودته "منتصرا" عن طريق كريم بقرادوني وإميل إميل لحود، شكل ملفّ المعتقلين في السجون السورية مادة دسمة في مواقف "حامي المسيحيين"، إلى أن أتى "يوم أسود"، أكّد فيه عدم وجود لبنانيين في السجون السورية. فهل كانت تلك المادة مجرّد سلاح يصلح في السجال السياسي، أم أنها حقيقة يصعب طمسها؟
من جديد قضية اللبنانيين المعتقلين في سوريا إلى الواجهة، بعدما أكّد نصري الخوري الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري استفادة عدد من اللبنانيين من قرار العفو العام الرئاسي السوري الصادر أخيرا.
إعلان خوري هذا، خلّف أملا في إقفال الملف الذي شكل محورا أساسيا من محاور "الطريق الآخر" أو الكتاب البرتقالي (الذي خاض التيار الوطني الحرّ الانتخابات النيابية في العام 2005 على أساسه)… محور دغدغ مشاعر المسيحيين في العام 2005، فأعطى سبعون في المئة من ناخبيهم أصواتهم "وثقتهم" لمن أصبح "زعيما للمسيحيين" قبل أن يتحول إلى "حامي المسيحيين".
ذاك الزعيم، وما إن بات تحت قبة البرلمان، حتى أطلق صرخته حيال تلك القضية الإنسانية أمام نواب الأمة (تموز 2005) فطالب الحكومة الجديدة (برئاسة فؤاد السنيورة) بوضع حد لهذه المأساة كاشفا عن وجود حالة في هذا الملف القديم – الجديد، لا يشوبها أي التباس، وبالتالي وُجب حلها بين الحكومتين السورية واللبنانية، كما قال يومها "الجنرال العائد".
إنها قضية اختفاء خمسة عشر عسكريا وراهبين أنطونيين هما سليمان أبي خليل والموسيقار ألبير شرفان عقب عملية 13 تشرين 1990 في دير القلعة-بيت مري.
لسنا في غابة الأمازون
"أعتقد أنّ الجميع على علم بهذه القضية"، قال عون، مضيفا "لسنا في غابة الأمازون أو في أدغال إفريقيا، فإما أن يكونوا في السجون السوريّة أو أنهم قتلوا ودفنوا بعد المعركة. لذا، نأمل من الحكومة أن تسأل نظيرتها السورية: أين الجثث؟ وأين الأسرى؟ واعتقد أنّهم لن يكونوا في حاجة إلى أكثر من هذا السؤال".
كلام عون لم يكن جديدا، فالجنرال سبق له أن كشف في العام 2000 أمام وفد من أهالي المعتقلين زاره في منفاه الباريسي ما في حوزته من معلومات أمنية حيال مصير الراهبين المغيّبين مكمّلا بها ما كان في حوزة الرهبنة الأنطونية وبعض المقرّبين من معلومات حول مصيرهما.
حتى العام 2000 كانت الرواية تقول إن في صباح الأحد 14 تشرين الأول 1990 كان أبونا ألبير يتفقّد محيط دير القلعة بعد توقف الأعمال الحربية. فجأة توقفت أمامه سيارة تابعة للرئاسة العامة للرهبنة الأنطونية وترجّل منها أحدهم. إنه موظف إداري في الرئاسة العامة جاء يطمئنّ إلى أحوال الراهبين ومدبرة شؤون الدير، ويرى بالتالي إن كانوا في حاجة إلى أي وسيلة حياتية بعد القصف العنيف الذي شهده المحيط على وقع دخول الجيش السوري.
نفّذ الموظف المهمة التي من أجلها قصد الدير، وغادر متوجها نحو مقر الرئاسة العامة في "مار روكز"، حيث أكد للآباء سلامة الراهبين والسيدة.
انتهت الرواية عند هذا الحد لتكتمل فصولها على لسان الجنرال (20-12-2000) الذي كشف أن الراهبين أسرهما الجيش السوري مع 15 جنديا، وشوهدوا جميعا بعد ساعات في بلدة قرنايل ثم في بلدة بحمدون حيث تم تجميعهم مع معتقلين آخرين.
رحلة الحج إلى الينبوع
ويضيف "القائد المنفي" حينها، أن وزارة الدفاع الوطني سلّمت بعد أسابيع قليلة أهالي الجنود الخمسة عشر بلاغات تفيد بوجود أبنائهم في سوريا، "وبعضهم زارهم مرات متعددة". يومها طالب العماد أمام وفد الأهالي أن ترسل القيادة السورية برقية إلى اللواء الذي هاجم محور بيت مري-برمانا لمعرفة ملابسات القضية. إكتفى عون بطرح هذا الطلب، في منفاه الباريسي، وتحت قبة البرلمان؛ إلا أنّه لم يطرحه في أثناء زيارته الشهيرة إلى سوريا. زيارة عوَّل كثيرون أن تساهم في إقفال هذا الملف ولا سيما قضية الراهبين اللذين دفعا ثمن وقوف رهبنتهما إلى جانبه، إلا أن الأخير عاد أدراجه، ولم يعد برهبان… ولا بنتيجة.
إنتهت الزيارة الأولى التاريخية، وعاد عون وحيدا. أمّا في الزيارة الثانية، فقرر عون أخذ الرهبانية بأكملها معه إلى سوريا، لا للسؤال عن مصير الراهبين، بل للاحتفال بعيد القديس مارون في "رحلة الحج إلى الينبوع".
تبخّرت رواية "قرنايل" و"بحمدون" ومعها مصير راهبين بلغ دعم رهبانيتهما لعون حد إقفال مدرستها في المعهد الأنطوني مرات متعددة "وزقّ" التلامذة إلى قصر بعبدا، تارة للاستمتاع بلقاء مع الـ ton amie liliane وطورا للاحتفال بالقداس الإلهي، بعدما كان يعمد أحدهم إلى إقفال الكنائس والطلب من جمهور المؤمنين التوجّه إلى القصر.
تبخّرت الرواية ومعها روايات أخرى ولم يعد في قاموس "حامي المسيحيين" من وجود لعبارة "مسيحيون في السجون السورية". وحدها "مقبرة حالات الجماعية" الوهمية بقيت راسخة في ذهنه… مقبرة عبثا حاول "العونيون" في التيار الوطني إيجاد معالمها.