#dfp #adsense

طرابلس وإرادات الإستباق والاستنزاف

حجم الخط

ليس للأحداث في مدينة طرابلس ومنذ العام 1977 غير عنوانٍ واحد هو النظام السوري· وحتّى عندما كان ياسر عرفات يتحرك أو يفعل، إنما كان ذلك ردّة فعلٍ على تصرُّفٍ سوري· وحتى عندما ثار الشيخ سعيد شعبان وأحزابه، فقد كان ذلك للخلاص من النير السوري· وقد أدّى ذلك إلى هذه الصورة التي نشرها السوريون وأعوانهم عن سلفية وأصولية طرابلس والتحاقها بل والتحاق أهل السنّة جميعاً بالإرهاب! أما الجديد في أحداث العام 2008 فهو دخول حزب الله عنصراً فاعلاً بالتسليح وبالتمويل لمسلّحي جبل محسن، بل ودخوله على خطّ التشرذم العشوائي في طرابلس وأحيائها الداخلية، والأُخرى المُحاذية لجبل محسن في باب التبانة والقبّة وشارع سوريا·

أمّا أحداث طرابلس الأخيرة فهي ولا شكّ من جانب الفريق السوري المؤثِّر في مسلَّحي جبل محسن، ومن جانب حزب الله· ورغم مُضيّها في الخط والسياق الذي ذكرناه سابقاً، إنما للأمر في هذه الشهور مستجداته، وأول المستجدات وأهمّها الثورة الشعبية في سوريا على النظام هناك، ثم الضيق النازل بكل بؤر النفوذ الإيرانية في المشرق العربي· فالثورة على النظام السوري كشفت عن هشاشة شرعية النظام، كما كشفت عن اعتماده على الملفات الإقليمية والدولية، إذ كان وعلى مدى عدة عقود رابطاً للأمن وللإستقرار على حدود الكيان الصهيوني، وفي لبنان، والعراق وتركيا وحتّى الأردن، وفلسطين (الانقسام بين فتح وحماس) بوجوده وازدهاره· وعندما ثار شعبه عليه ما نفعته الحبال الرخوة التي استند إليها، وبدأ الجميع يقلقون ويتذمّرون للجوئه للابتزاز كما كان يفعل في ظروف التأزّم· إنما الفرق أن أحداً (باستثناء إيران والحزب) ما عاد بحاجةٍ إليه، وأن الأميركيين والأتراك (ويا للهول!) ذكّروه عشرات المرات بأن شرعية النظام تعتمد على رضا الشعب السوري، وليس على هذه الصفقة أو تلك مع الخارج البعيد أو القريب! وما حصل مع النظام السوري حصل في مناطق نفوذ إيران· فالتأزّم مستفحلٌ بالعراق وبالبحرين وبغزة وبسوريا، وبعض هذه الساحات تكاد تُفقَد· ولذا فإن النظامين السوري والإيراني واللذين يتعاونان بكل الُسبُل ضد الانتفاضة بسوريا، مهتمّان بالضغط علينا في لبنان، وفي طرابلس والشمال على الخصوص، وربما تأتي مواطن أخرى على القائمة إذا ازداد النظام السوري عزلةً واهتزازاً ويأساً·

إن هذا الضغط أتى أولاً من جهة تشكيل الحكومة، والإتيان برئيسها ووزراء ثلاثة من طرابلس، وعندما لم ينفع هذا الإسراف الودّي في استجلاب طرابلس إلى حضن ميقاتي، أُطلقت النار على المتظاهرين المتضامنين مع الشعب السوري بعد صلاة الجمعة، ومع ذلك فإن الرئيس ميقاتي اتّهم معارضيه السياسيين باللجوء إلى العنف، أي أن المتظاهرين أطلقوا النار على أنفسهم! والأمر الآخر المقصود من وراء تشكيل الحكومة وزعزعة الأمن إخافة الناس بحيث لا يتمسكون بحقّهم في التمثيل الصحيح، والذي استلبته منهم تركيبة سوريا وحزب الله وعون· وقد سارع الجنرال عون بالفعل إلى كشف هذا المقصد عندما أصرّ على الزعم بأن هذه الحكومة السعيدة باقية إلى الأبد وأن علينا جميعاً مغادرة البلاد، كما غادر سعد الحريري!

والذي حصل مع طرابلس والشمال من سلبٍ للتمثيل الصحيح، حصل من خلال الزعيم وليد جنبلاط، الذي حصل على وزير سنّي من إقليم الخروب، لا يجمع وراءه مائة صوت، لولا تحالف جنبلاط مع تيار المستقبل في الانتخابات الأخيرة· وهكذا فإن جنبلاط يُضيف فضيلةً جديدةً إلى فضائله الكثيرة تجاه المسلمين في لبنان، فقد وهب السوريين وحزب الله وعوناً الأكثرية التي حكموا بها على حسابنا، وتبجّح بالتحالف مع النظام السوري في الوقت الذي يقتُلُ فيه النظام شعبه، وافتخر أخيراً بتوجيه طعنة في الصميم إلى حلفائه السابقين (مثل الرئيس ميقاتي بالضبط) عندما حصل على ثلاثة حقائب في الحكومة العتيدة جزاءً <لفضيلته>، وإزعاجاً لأهل إقليم الخروب· والأمر الرابع الذي قصده النظام السوري وحلفاؤه من وراء التركيز على طرابلس وإثارة الاضطراب فيها أنه يقول للمحيط العربي والتركي والدولي: هذه هي قُدُراتي، فأنا أستطيع نشر الاضطراب في الجولان والعراق ولبنان··· إلخ، إذا لم تُساعدوني على ثوران شعبي عليّ!

لن تتوقف الثورة السورية، كما لم تتوقف الثورات المصرية والتونسية واليمنية والليبية· بيد أن تكلفة التغيير السلمي سوف تكون كبيرة وباهظة كما هي باليمن وليبيا، بسبب إصرار الأنظمة في هذه البلدان على قتال شعبها حتى النهاية (نهايتها هي، وليس نهاية الشعب بالطبع!)· والمطلوب من أهل الشمال عدم الانجرار إلى ردّات الفعل، لأن هذا هو المُراد بهم من جانب الذين يُطلقون النار عليهم، ومن جانب الذين دفعوهم إلى ذلك· وقد عبّروا عن التضامن مع إخوانهم المضطهَدين، فلا حاجة للتحميس في المساجد، كما لا حاجة للتظاهرات التي تُطلق عليها النار· إنما يكونُ علينا جميعاً أن نصبر ولا ننسى أفاعيل النظام في سوريا، وأفاعيل الحزب، وقبل ذلك وبعده: أفاعيل ميقاتي وجنبلاط:

كلانا غنيٌّ عن أخيه حياته ونحن إذا مِتْنا أشدُّ تَفَانيا

المصدر:
اللواء

خبر عاجل