المناورة الأضخم في تاريخ إسرائيل التي بدأت يوم الأحد الماضي تحت عنوان «نقطة تحول 5» والتي تستمر خمسة أيام، تبلغ اليوم ذروتها، مع سيناريو تعرض إسرائيل إلى مئات الصواريخ يومياً، وعلى مدار شهر كامل، من إيران وسورية ولبنان وقطاع غزة، بمعنى آخر اندلاع حرب على أربع جبهات، اليوم هو اليوم الرابع من المناورات وستطلق صفارات إنذار مرتين، صباحاً ومساءً، في الأولى سيتم تدريب العمال والموظفين وطلبة المدارس على الاحتماء في الملاجئ، وفي الثانية تدريب الأهالي المفترض أن يكونوا في بيوتهم على دخول الملاجئ وغرف الاحتماء في منازلهم. وسيتم إنذار المواطنين برسائل نصية إلى هواتفهم المحمولة…
هذه كلّها لم يحظَ اللبنانيّون عموماً وأهل الجنوب خصوصاً على نسبة 1 ٪ من هذه الاحتياطات والملاجئ، فاللبنانيون لا بطولة لهم في هذه الحروب إلا في شخصيات القتلى والجرحى!! وغداً في آخر أيام المناورة سيشارك الطيران الحربي وتحاكي مناوراته اعتراض صواريخ موجهة إلى إسرائيل، وسيتم اختبار منظومة «القبة الحديد» التي يفترض أن تعترض الصواريخ قصيرة المدى، كما سيتم تشغيل منظومة «الباتريوت» لاعتراض صواريخ بعيدة المدى.
في لبنان، يحاولون أن يشغلوا اللبنانيين بأكبر مناورة في تاريخه، مناورة كالأفعى ذات الرأسين، الرأس الأوّل: الالتفاف على المحكمة الدولية وتدمير العدالة كقيمة في المجتمعات الإنسانيّة لصالح تكريس ثقافة القتل من دون محاسبة ولا مساءلة ولا إجراء تحقيق أيضاً!! أمّا الرأس الثاني فهو مناورة الالتفاف على الشعب اللبناني وقمعه على رغم رفض الشريحة الأوسع منه لخدعة سُمّيت: «جيش ـ شعب ـ مقاومة»!!
فصول المناورة الكبرى هذه، والتي دفع اللبنانيّون ثمنها شهداء من خيرة أبناء هذا الوطن ورجالاته يقودها رئيس حكومة «حزب الله وميشال عون» الرئيس نجيب ميقاتي، وبدأت فصولها تتكشّف بالأمس مع التصريح الواهي لوزير الإعلام المفترض وليد الداعوق قال فيه: «في موضوع بند السلاح، صيغة «شعب- جيش- مقاومة» من المسلمات والثوابت المعتادون عليها»، هذه المناورة لإبقاء سلاح حزب الله مصلتاً على أرواح اللبنانيين، وعلى رأس الدولة اللبنانية ليقطعه متى شاء بات اسمه «ثوابت معتادون عليها»!! وبمنتهى الثقة قال الوزير: «كل ما يجمع عليه اللبنانيون كان موضع نقاش اليوم، وهو ما سيتضمنه البيان الوزاري»، كأنه جاء إلى لبنان من كوكب آخر ولم يسمع برفض اللبنانيين لوجود دويلة ضمن الدولة بيدها قرار السلم والحرب، ولا سمع بالتحفّظ على هذه الصيغة في البيان الوزاري السابق؟!
أما أمّ المناورات فتكمن فيما تداولته وسائل الإعلام بالأمس عن «وجود وجهتي نظر في لجنة صياغة البيان الوزاري بشأن البند المتعلق بالمحكمة حيث وجهة النظر الأولى تقول بذكر القرارات الدوليّة من دون ذكر المحكمة، وهذه الوجهة يتبناها «حزب الله»، فيما وجهة النظر الثانية تقول بذكر المحكمة ويتم البحث في إمكان استبدال كلمة محكمة بالعدالة في البيان الوزاري»، هل هناك أوقح من حكومة تأتي تحت عنوان «إلغاء الشهداء» بل واغتيالهم مرة جديدة؟!
ثمة مصارحة ومن دون مواربة علينا أن نقولها لرئيس الحكومة التي لم تنل ثقة المجلس بعد، والتي لن تنال ثقة الشعب اللبناني أبداً، الرئيس نجيب ميقاتي، وهي عملياً ما يردّده اللبنانيّون عموماً وأبناء طائفته خصوصاً: «لن يسمح لك اللبنانيون باغتيال رفيق الحريري من جديد، دماؤه في عنقك، ودماء كلّ شهداء لبنان في عنقك»، التفريط بالمحكمة الدولية هو تفريط بدماء الشهداء، وتفريط بما ناضل الشعب اللبناني ودفع أثماناً باهظة لتحقيقه، المحكمة الدولية جاءت على جسر طويل من أجساد الشهداء، وأنهار الدماء، وهذا الجسر الممتد منذ 14 شباط 2005 مرصوفاً بوفاء اللبنانيين، ولن يسمحوا أبداً بخيانتهم وخيانتها»!!
هذه حكومة وأد المحكمة ـ هكذا يظنّون ـ والذي استطاع أن يعبر باللبنانيين السنوات الست الماضية، قادر على العبور بهم إلى برّ العدالة، والتاريخ لن يرحم «من يخون دماء شعبه وشهدائه»، وفي وقت تسير فيه شعوب العالم العربي إلى أمام الحريّة لن يقبل اللبنانيون بأن يعود بهم نجيب ميقاتي إلى وراء القمع والإلغاء، نحن في زمن إسقاط الطغاة فيه أصبح أهون من «شربة ميّ»!