إنّ معنى الفعل "موّه" في اللغة، هو تغيير الشكل أو اللون بقصد الخداع. وفي السياسة هو الزخرفة بالباطل بهدف التضليل وأخفاء الحقيقة. وفي علم الأجتماع هو تلبيس شيء لستره وأعطائه مظهرا مختلفا، وذلك لأظهار ما هو مناقض لماهيّته الحقيقية. وفي مجمل القول، يبدو التمويه نوعا من التزيين بالباطل والكذب. والعجيب أنّ بعضهم يعتبره "فنّا". لست هنا في صدد توجيه السهام الى الذين يتقنون هذا الفنّ، بل لأضيء على مشهد يشرح الخط البياني للمواقف المعلنة والموثّقة التي أطلقها بعض الذين يعتبرون أنفسهم قيّمين على البلاد والعباد، وكيف تبخّرت مصداقيّتهم عبر أغتيالهم لاحقا هذه المواقف بما يناقضها.
عندما نستمع الى مسؤول يلقي محاضرات في الوسطية والأعتدال، نخال أنفسنا أمام أحد قادة دول عدم الأنحياز في عصر الحرب الباردة، لما يبديه من لباقة ومهارة ودبلوماسية وعلى وجه الخصوص " أستقلالية " في القرار والرأي. أنّ أوّل أعلان شعبوي، طلع به هذا المسؤول هو عدم موافقته على تشكيلة حكومة الأمر الواقع أو حكومة المواجهة، داخليا وخارجيا، لما لذلك من انعكاسات سلبية على علاقات لبنان بالمجتمع الدولي ما يؤدّي الى عزلته، وعلى علاقات شرائح النسيج الوطني المتنافرة ما يعرّض السلم الأهلي للأنهيار. أمّا واقع الحال، فتشكيل وتوقيع وموافقة على لون واحد يحكم البلد، مهما حاول المزيّنون أضفاء الصفات والتسميات على لوحة غابت عنها الألوان فاحتكرها اللون الأسود، ولا تصلح حتى لأن تكون جداريّة تعلّق على حائط للزينة.
أمّا في موضوع أحقّية التأليف أو حقّ التأليف، الذي لطالما أجاد المسؤول في توظيفه لتبيان أنّه مختلف ونسيج وحده في هذا الأطار، فقد انصاع في اللحظة الحاسمة لعاملي الأستراتيجية والتكتيك معا. أذ تلقّى أمر اليوم من الوصيّ السوري، واللائحة الأسمية من الوليّ الداخلي. وما المبادرة السريعة لرأس النظام الشقيق الى التهنئة – ولبعض المسهّلين الذين لا علاقة لهم في الأصل بعملية تشكيل الحكومة – سوى تحديد مباشر للجهة التي أصدرت أمر التأليف. كما أنّ الدخول على خطّ أعلان التشكيلة والتصريحات التي واكبتها من جانب حلفاء المسؤول، لدليل ساطع على "كومبارسيّة" من أوكلت أليه هذه المهمّة.
وفي السمة المسيطرة على العمل الحكومي، أعلن المسؤول أنّ الكيدية أو نفسيّة الأنتقام هي جرم خطير لا يمكن السماح بارتكابه. وتأتي دونكيشوتيّات الحلفاء لتتجاوز نيّة المسؤول وتتوعّد بالكبيرة والصغيرة والنفي والأقصاء والشلّ، كلّ ذلك تحت عنوان استئصال الفساد المتفشّي في الأدارة والنظام وهيئات المجتمع وفي النفوس. من حيث الشكل، لا يمكننا الاّ أن نشدّ على الأيدي الساعية الى الأصلاح، وعلى المستويات جميعا لكي يكون موقفنا هذا منسجما مع طروحاتنا وممارساتنا وآمالنا. غير أنّ الظاهر، ولسنا نحكم هنا على النوايا، يدلّ تماما على الأسلوب الذي سيتّبعه حلفاء المسؤول في التعاطي مع هذا الموضوع. والآتي قريب، كما يقول المثل الشائع.
أمّا في ما يتعلّق بعدم جواز أطلاق الأحكام قبل التأكّد بالحجّة والبرهان، وهذا ما تميّزت به تصريحات المسؤول قبل التأليف وفيه وبعده، وضرورة أعطاء الفرصة والأفساح في المجال للعمل، فنحيل المسؤول على ما أدلى به بعد حوادث طرابلس الأخيرة المؤلمة. فقد أتّهم فريق المعارضة مباشرة بافتعال الأشكال الدموي، من دون أن يقنعنا بالحجّة الدامغة، فاكتفى بنصّ أنشائي مفعم باللوم وتحميل المسؤوليّة للغير، ولكن بغير دليل. ويكفي هنا أن نضع المسؤول أمام أمرين، في ما خصّ الحادثة الطرابلسية. لقد بدأ الأشكال عندما ألقى الفريق المسلّح والذي يعرفه المسؤول تماما، قنبلة على التظاهرة المساندة لحقوق الشعب السوري ومطالبه ما أدّى الى وقوع أصابات، ثمّ اشتعل الفعل وردّة الفعل معا وتطوّر الأشكال الى نتائج يؤسف لها. فالبادي أظلم وبالتالي عليه أن يحمل تبعة ما قام به.
أمّا الأمر الثاني، وهنا بيت القصيد، فقد تمّ الأعلان عن وفاة المسؤول العسكري لدى "الحزب العربي الديمقراطي"، ما يعني أنّ هذا الحزب هو بالفعل تنظيم مسلّح يمتلك مدافع وقاذفات صواريخ وأسلحة خفيفة، وبمقدوره أن يشعل مواجهات، والاّ فما الحاجة أذا الى هذا النوع من المسؤولية الأمنيّة؟ والأشكالية هنا على وجهين: هل يعتبر المسؤول هذا التنظيم جزيرة أمنية خارجة على القانون وعلى سلطة الدولة، وبالتالي على الدولة مسؤولية انهاء الجانب العسكري منه ؟ وهل يستطيع المسؤول المبادرة الى هذا الأجراء من دون أن يأخذ بالأعتبار أنّ هذا التنظيم يمكن أن يسقط في صندوقة الأقتراع ألافا من أوراق الناخبين لمصلحة المسؤول بالذات؟
لسنا نشكّك في ذلك طالما أنّ المسؤول يحسن أوّليّات الحساب. أمام هذا المشهد المأساوي، من اللائق أن يطرح الشعب عنه عقليّة الأستسلام بالرغم من الجو القاتم، وأن ينتبه المسؤول الى أنّ أعمدة الدخان تهدمها الرياح.