كتب د. عامر مشموشي في صحيفة "اللواء": في حين يسعى الرئيس نجيب ميقاتي إلى تحسين صورة حكومته تجاه الداخل والخارج من خلال إقناع الداخل بأنها ليست حكومة اللون الواحد ولم تأت للانتقام من الفريق المعارض ولا للتشفي أو الكيدية بل أتت لتملأ الفراغ السياسي الحاصل جراء الانقسامات السياسية، ولمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية.
وفي وقت يدعم رئيس الجمهورية هذا التوجه، ويحاول من جهته خفض مستوى الاحتقان السياسي الناجم عن الملابسات التي رافقت تشكيل الحكومة، من خلال العمل على إحياء طاولة الحوار الوطني غداة الثقة بالحكومة، ومن خلاله إعادة التواصل بين الأطراف المتخاصمين والحوار من داخل المؤسسات الدستورية، حول المواضيع الخلافية من الاستراتيجية الدفاعية وملحقاتها كسلاح المقاومة إلى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، إلى غيرها من الملفات التي فجّرت الصراعات الداخلية.
وفي حين اعتبر الرئيسان سليمان وميقاتي أن هذا التوجه يخفف من حدة حملة المعارضة على الحكومة وإعطائها فرصة للحكم على أدائها العام، وعلى الأعمال، بدل من إصدار الأحكام المسبقة على النيّات، فوجئا كليهما بما صدر عن رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون تجاه قيادات وقوى المعارضة تجاوزت مسألة إحراج الرئيسين إلى قلب الطاولة عليهما من خلال كشفه النقاب عن كل خلفيات الأزمة منذ إقالة حكومة الرئيس سعد الحريري حتى تشكيل الحكومة الحالية من لون واحد، وعن مخطط الأكثرية الجديدة واستهدافاته الداخلية والخارجية.
فعلى الصعيد الداخلي كشف عون أن الحكومة أتت لتستكمل الانقلاب الذي بدأ بإقالة حكومة سعد الحريري ومنع عودته إلى السلطة باستخدام كل أسلحة قوى الثامن من آذار من القمصان السود والضغط على رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط للتراجع عن ترشيحه الرئيس الحريري لرئاسة الحكومة الجديدة، الى إغراء الرئيس نجيب ميقاتي بالعودة الى السراي الحكومي وتسهيل مهمته، إلى الضغوط السورية التي بلغت حد استفزاز أصدقائها الأتراك والقطريين الذين دخلوا على خط التسوية الداخلية بعد توقف سين سين، وتثبيت اتفاق الدوحة الذي أرسى الصيغة التوافقية التي أنتجت حكومة الحريري، وطوت صفحة الفتنة المذهبية التي أوقدت نارها أحداث السابع من أيار.
ويعني النائب عون بالانقلاب، إعادة تكوين السلطة من جديد على قاعدة اللون الواحد• وإقصاء الفريق الآخر من سياسيين وموظفين، عن الدولة، وزجهم في السجون وفق ما صرح به أمس، وقبله بشكل لا يقبل أي تأويل أو تفسير.
فالنائب عون أعلن صراحة أنه سيضع كل قيادات قوى 14 آذار ومن يمتّ إليهم بصلة من موظفين كبار وصغار في الدولة وفي كل المؤسسات في السجن، بعدما كان وجه تهديداً مباشراً إلى زعيم قوى 14 آذار الرئيس سعد الحريري في حال فكّر بالعودة الى لبنان.
وعلى طريقته، هدد وزير الاتصالات السابق شربل نحاس بالانتقام من رئيس مجلس إدارة مدير عام مؤسسة أوجيرو عبد المنعم يوسف المحسوب على قوى 14 آذار للتدليل على مخطط قوى الثامن من آذار الذي ستنفذه من خلال الحكومة الجديدة ما اضطر الرئيس نجيب ميقاتي، وبعد مشاورات مع النائب وليد جنبلاط وربما مع رئيس الجمهورية الى الرد على النائب عون ووزرائه وإستهجان مواقفهم للتدليل على أنه لن يمشي في المخطط الانقلابي، لا سيما وأنه وحلفاءه يملكون في الحكومة الثلث الضامن لتعطيل أي قرار تعسفي وكيدي يستهدف الفريق الآخر الذي هو خارج السلطة من دون وجه حق.
واللافت في سياق ما تشهده الساحة الداخلية، سكوت حزب الله على مواقف حليفه النائب عون، كمثل سكوته عليه خلال أزمة تأليف الحكومة، بحجة أنه لا يريد الدخول في خصومة سياسية مع حليف يحرص عليه إلى أن كشف النائب جنبلاط السر وأوضح أن عون واجهة لحزب الله الذي لا يريد أن تشكل الحكومة لحسابات تتعلق بالتطورات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة العربية ولا سيما في سوريا ظهيرة الحزب وحليفته الأقوى بعد إيران، ما من شأنه أن يستعيد اليوم نفس المشهد الذي ساد البلاد طوال السنوات الست الماضية وهو أن هدف حزب الله الاستيلاء على السلطة، وإخراج الحريري منها من دون أن يكون هو في الواجهة.
وهذا الاستنتاج لم يفت قوى الرابع عشر من آذار التي كشفت أمانتها العامة في البيان الذي أصدرته أمس عن الخطة الانقلابية لقوى الثامن من آذار التي بدأت تنفيذها من خلال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ذات اللون السوري الدامغ في الشكل والمضمون.
ورفعت الأمانة العامة منسوب المواجهة لهذه الحكومة السورية الانقلابية وكما جاء في بيانها، مع التأكيد على أنها ستكون مواجهة سلمية وديمقراطية، مما يعني سقوط أو إسقاط مسعى رئيسي الجمهورية والحكومة للتهدئة وفتح صفحة جديدة تنقذ البلد من مخاطر انقسامه على نفسه أو حشرهما في الزاوية وإسقاط صفحة الوسطية عنهما وعن حليفهما جنبلاط الذي كما نُقل عنه بات يتفهم الأمر ويتجه نحو حسم علاقته بفريقه المستجد بناء على ما كشفه النائب عون من عدوانية وتصميم على الانتقام من النظام في حال يئس من استلام السلطة كما جاء في ويكيليكس.