على رغم الرسالة التطمينية التي أراد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إيصالها الى "مَن يَعنيه الأمر" عبر السفراء العرب والاجانب المعتمدين في لبنان، والتي تفيد بأنّ مصير المحكمة الدولية لن يتأثر بالتحوّل الحاصل على صعيد السلطة التنفيذية، لأنّ هذا الملف سيبقى طيلة فترة إعداد البيان الوزاري المنتظر، مَحط تجاذبات وأخد ورَدّ بين الأكثرية والأقلية، كونه سيعيد الى الواجهة كل السجالات والحملات التي سجلت بين الطرفين قبيل إسقاط حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها الرئيس سعد الحريري.
وفي هذا الاطار، أعربَ مصدر نيابي في فريق 14 آذار عن شكوك تساور غير جهة محلية وعربية ودولية، إزاء قدرة الحكومة الجديدة على السَير في التزاماتها المعلنة مع المجتمع الدولي، بصرف النظر عن التطمينات اللافتة والرسائل التي حرص الرئيس ميقاتي على إيصالها بشكل مباشر للسفراء الذين ناقش معهم ظروف تشكيل الحكومة، عِلما بأنّ مشاورات التأليف شَكّلت الهدف الأساسي لهذه اللقاءات لجهة: التأكيد على أنّ العملية أتَت في سياق داخلي وليست مرتبطة بأي ظروف اقليمية. موضحا بالتالي أسباب التأخير والتي هي بغالبيتها تعود الى المحادثات التي جَرَت مع الكتَل النيابية في فريق الاكثرية، وكشف أنّ مَلف المحكمة الدولية لم يشكّل محورا أساسيا للبحث، وإن كان الرئيس ميقاتي كرّر موقفه المعروف من الالتزامات اللبنانية إزاء إحقاق العدالة، مع أنّ الرئيس ميقاتي قد سبق وشدّد، خلال محطات سابقة، على المحافظة على التزامات لبنان تجاه المجتمع الدولي. واستدرك المصدر ان الخطاب الملتزم بالمحكمة، وإن كان سيَرد في بنود البيان الوزاري، لا يدلّ بشكل كامل على ان الحكومة ستكون ملتزمة بكلّ ما يتصل بالاتفاقيات الموقعة في إطار المحكمة الدولية.
وفي سياق مُتصل، فإنّ الثوابت التي تناقشها اللجنة الوزارية المكلفة إعداد البيان، لا تستبعد المحكمة الدولية، لكنّ الصيغة التي سَيتمّ اعتمادها في مقاربة الالتزام اللبناني الرسمي ما زالت ضبابية وغير واضحة، خصوصا في ظلّ معلومات متداولة عن مَيل فريق واسع داخل الأكثرية الجديدة الى وقف التعامل، لا سيما المالي، مع هذه المحكمة، مع الحفاظ على ما يشبه التعهّد اللفظي باحترام القرارات الدولية والتزامها، تزامنا مع رَفض كل ما يتعارض منها مع السيادة اللبنانية ومع السِلم الاهلي.
ووفق أوساط ديبلوماسية غربية، فإنّ أداء الحكومة الجديدة يجب أن يتناغم مع ما سيتضمنه البيان الوزاري من إعلان نوايا، حيث سيتمّ إيراد احترام الالتزامات الرسمية مع القضاء الدولي ومجلس الامن، أي القرارات الدولية. وكانت الحكومات اللبنانية السابقة منذ العام 2005 قد ألزمَت نفسها بالتعاون التام مع جميع الاجهزة الخاصة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبالتالي باتَ على الحكومة الحالية اليوم أن تجد الوسائل والطرق القانونية لكي تضع هذا التعاون قيد التنفيذ، علما بأنّ الرئيس ميقاتي كان قد قام بالخطوة الاولى على هذا الصعيد، عندما ابلغ الدبلوماسيين العرب والاجانب المعتمدين في لبنان، أنّ حكومته لن تَنقض هذه الالتزامات. وبالتالي، فإنّ هذا اللقاء يندرج في سياق العمل الميداني لتحديد الوسائل الدبلوماسية امام الحكومة، للسَير في طريق الالتزام بما سبق وتعهّد به لبنان الرسمي امام القضاء الدولي. على ان يؤول ذلك نحو احترام الحكومة لكلّ التزاماتها، لكي يكون أداؤها وتعاطيها متلائمين مع القانون الدولي، وليس مناقضين له.