تكثر في الآونة الأخيرة التسريبات الصحافية والتصاريح الصادرة عن أطراف في قوى "8 آذار" والتي توحي بأن الفقرة المتعلقة بـ "المقاومة" المتوقّع إيرادها في البيان المرتقب لحكومة الرئيس ميقاتي، ستكون في حقيقة الأمر نسخة طبق الأصل للعبارة التي سبق لحكومة الرئيس سعد الحريري ان تبنتّها في البند السادس من بيانها الوزاري الصادر بتاريخ 27 تشرين الثاني 2009، اي ان حكومة ميقاتي ستُجدد تأكيد التزام لبنان بثالوث "الشعب والجيش والمقاومة" سبيلاً لتحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي!!
تسعى قوى "8 آذار" من وراء كل ذلك الى تضليل الرأي العام اللبناني والمجتمع الدولي عبر التذرّع بما ورد في البيان الوزاري السابق لتبرير شرعنة "المقاومة". هذا من جهة، اماّ من جهةٍ اُخرى، فإن الرئيس ميقاتي يحاول بدوره الصاق تُهمة "شرعنة" المقاومة بسلفه الحريري حفاظاً على ما تبقّى من ماء الوجه امام الرأي العام السنّي واللبناني الذي يُعارض بغالبيته أي صيغةٍ او صياغةٍ لا تُشدد بشكلٍ واضح على آحادية السلاح ومرجعية الدولة اللبنانية.
امّا الأسباب والدوافع التي تحدونا لإتهام قوى "8 آذار" بالتضليل والتلاعب بالوقائع وإجتزاء الحقيقة فهي كثيرة، نورد اهمّها على الشكل الاتي::
في المبدأ، إن حكومة الرئيس سعد الحريري كانت حكومة وحدةٍ وطنية، وهو ما حتّم على غالبية الأطراف المشاركين فيها تقديم تنازلاتٍ سياسية بغية التوصّل الى صيغةٍ تسووية توافقية عبّر عنها البيان الوزاري من خلال الإلتزام بثالوث "الشعب والجيش والمقاومة" بالتوازي مع تشديده على سلطة الدولة ومرجعيتها.
امّا اليوم، فالأمور تختلف تمام الأختلاف، إن لجهة لا ميثاقية تكليف الرئيس ميقاتي سنيّاً، او لجهة خرق العرف القاضي بالتساوي في توزيع الحقائب الوزارية بين الطوائف الثلاث الكبرى، وصولاً الى تشكيل حكومة تحدٍّ تقف على طرفي نقيض مع غالبية اللبنانيين. من هنا فإن تضمين البيان الوزاري اي بندٍ يتعارض مع الدستور اللبناني ومع صيغة العيش المشترك سيكون حتماً عُرضةً للطعن به امام المجلس الدستوري.
فصيغة الثالوث(شعب وجيش مقاومة) التي اعتمدها بيان حكومة الوحدة الوطنية السابقة، لم تعد تصحّ في ظلّ حكومة تحدٍّ، كون الصيغة المذكورة تُشرعن سلطة امر واقع بمعزلٍ عن إرادة نصف اللبنانيين على الأقل وخارج اي توافقٍ مجتمعي لبناني، سواء كانت هذه الشرعنة تتم تحت مُسمّى "المقاومة" او تحت اي مُسمّى آخر. وعليه فإن شرعنة "المقاومة" في البيان الوزاري المُرتقب تُشكّل بحدّ ذاتها إنتهاكاً صارخاً للفقرة "ي" من مقدّمة الدستور التي تنّص على ان "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
هذا على الصعيد الدستوري والعرفي والميثاقي، اماّ سياسياً، فإن التضليل الذي تمارسه قوى "8 آذار" يكمن ايضاً في انها تحاول إختصار الـ 22 صفحة فولسكوب التي يتألف منها البيان الوزاري لحكومة الحريري، بما تضمنّته من تشديدٍ على سيادة الدولة ومرجعيتها، واحترامٍ للقرارات الدولية، وتحديدٍ للتوجهات السياسية والإقتصادية والإجتماعية العامّة للحكومة، بعبارة واحدة لا غير، وهي تلك المتعلّقة بثالوث "الشعب، الجيش والمقاومة".
لذلك فمن الواجب إعادة التذكير ببعض البنود السياسية التي تضمنّها البيان الوزاري السابق:
*بالنسبة لمرجعية الدولة اللبنانية والإلتزام بإتفاق الطائف، يُشدد البند 2 من البيان الوزاري على "وحدة الدولة وسلطتها ومرجعيتها في كل القضايا المتصلة بالسياسة العامة للبلاد"، كما يؤكّد البند 11 على إحترام الدستور، والبند 12 على ضرورة الإلتزام بإتفاق الطائف لجهة بسط سلطة الدولة اللبنانية على اراضيها كافةً.
*حول علاقة الدولة اللبنانية بمجلس الأمن الدولي وقرارات الشرعية الدولية، اكدّت البنود 5،6،9،13 من البيان الوزاري على احترام لبنان للشرعية الدولية والتزامه بقراراتها، ومن ضمنها تلقائياً، القرارات 1559، 1680، 1701 الداعية الى نزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
*بشأن علاقة الدولة اللبنانية بعدوتّها إسرائيل، شددّ البند 5 على التمسّك بإتفاقية الهدنة ووقف إطلاق النار التزاماً بالقرار 1701.
*بشأن المقاومة، لم يرد في البيان الوزاري ما يعترف بمشروعية "المقاومة" سوى عبارة واحدة من البند 6 التي اكدّت على حق لبنان "بجيشه وشعبه ومقاومته" في استرجاع الأراضي المتحلّة من قبل إسرائيل، مع العلم أن البند 6 ذاته، عاد واكّد على الإلتزام بالقرار 1701 الذي يدعو بالأساس الى نزع سلاح الميليشيات كافةً.
*بشأن المحكمة الدولية، أكّد البند 13 الإلتزام بالتعاون مع المحكمة الدولية والتمسّك بقرار إنشائها رقم 1757.
انطلاقاً من ذلك كلّه، يتبيّن ان عبارة "الشعب، الجيش والمقاومة" إنما تم إيرادها في البند السادس من البيان الوزاري السابق ضمن صياغةٍ توافقية شاملة وتسلسلٍ عام، افتُتِح بدايةً بالبند الـ 2 واختّتم بالبند الـ 13، وما بينهما من بنودٍ تُشدد على مرجعية الدولة وسلطتها وإحترام القرارات الدولية بما في ذلك قرار إنشاء المحكمة الدولية… وبالتالي فإن العبارة ذاتها اي "الشعب الجيش والمقاومة"، تفقد تلقائياً اي معنى تسووي وفعلي وتوافقي، بمجرّد ان تحاول قوى "8 آذار" التحايل على الرأي العام وإسقاط هذا "الثالوث" على بيانٍ وزاري "مُختصر ومُفيد" في حكومةٍ لا توافقية ولا تسووية، وذي مشيئةٍ وطبيعة تختلفان عن طبيعة ومشيئة وجوهر الحكومة التي سبقتها…
امّا وان البيان "المختصر والمفيد" الذي يعدنا به الرئيس ميقاتي، لا يُشبه بيان الـ 22 صفحة فولسكوب السابق بشيء، إلاّ بما يختصّ عبارة "الشعب والجيش والمقاومة" الفاقدة اساساً لجوهرها السابق، فمن الأفضل والأصحّ منهجياً أن يكون الإختلاف كاملاً وشاملاً ومُتممّاً معناه الحقيقي، بحيث يتخذّ الثالوث مضمونه الفعلي والجديد بصياغةٍ تُشدد على وجوب الإلتزام بـ "المقاومة والمقاومة والمقاومة"… حتى تحرير آخر لبناني من لبنان…"، لأن هذا هو المغذى الفعلي والنتيجة العملية لتحولّ الحكومة اللبنانية والشرعية اللبنانية والقرارات الدولية برمتّها الى شرعية "المقاومة" وحكومة "المقاومة" وعدالة "المقاومة" و"قرارات" المقاومة، واستطراداً إختصار كل الدولة وكل الشعب وكل المؤسسات الشرعية، اللبنانية منها والدولية، بـ "المقاومة"… اولم تكن "جمهورية" ما بعد الطائف وحتى 14 آذار 2005 كلّها "جمهورية مقاومة"، ورئيس الجمهورية بحدّ ذاته "رئيساً مكاوماً"…؟!!