#dfp #adsense

المفارقات اللبنانية

حجم الخط

كتب وليد شقير في صحيفة "الحياة":

تزدحم المفارقات في لبنان، بلد المفارقات أصلاً.

وهي تزداد ظهوراً ويسهل بروزها مع تداخل التأزم الإقليمي، وتحديداً في سورية، مع تموجات الوضع الداخلي، بين موالاة ومعارضة، المفتوحة على شتى الاحتمالات.

في بلد المفارقات، لا يجد زعيم أساسي في الأكثرية الجديدة حرجاً في تهديد زعيم أساسي في المعارضة الجديدة بإدخاله وحلفاءه الى السجن، في وقت يصدر راعي هذه الأكثرية وحليفها الإقليمي، الرئيس السوري بشار الأسد، عفواً عاماً نتيجة نصائح الدول التي تحتفظ بموقف غير عدائي حيال النظام السوري، بوجوب إخراج المعارضين من السجون بالتزامن مع المطالبات الدولية والعربية (العلنية والضمنية) بوقف آلة القمع وسحب جماعة الأمن و «الشبيحة» والجيش من الشارع.

وحتى لو اعتبرت المعارضة السورية أن عفو الأسد عن جرائم ما قبل 20-6-2011 غير كاف، أو مناورة، للإيحاء بالاستجابة للمطالبة الغربية والعربية بوقف العنف لمصلحة الذهاب الى الحوار، فإن قيادات في الائتلاف الذي تشكلت منه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لا ترى موجباً لأي مناورة في مواجهتها مع خصومها المحليين في لبنان ولا تريد أن تقيم أي اعتبار لموقف المجتمع الدولي، أو للموقف العربي، ولا تجد حرجاً في إعلان نية الذهاب بالمواجهة مع معارضيها حتى النهاية.

أما إذا كان الأسد جدياً وينفذ ما التزم به، وفق ما يقول غير قيادي سوري، من الذهاب نحو التساهل مع المعارضة في سورية، فإن تشدد حلفاء القيادة السورية في بيروت مع معارضيهم، وتصعيد المواجهة مقابل السعي الى الحوار هناك يكرّس هذه المفارقة أيضاً. الأمران معاً، في كل الأحوال، لا يستقيمان بل يتناقضان. وإذا كان التأزم في سورية والخوف من تهديد الاستقرار فيها، يوجبان التهدئة في لبنان نظراً الى الحاجة للتخفيف من انعكاسات هذا التأزم على الداخل اللبناني، فما المصلحة في إطلاق الأكثرية أو بعض أطرافها العنان للتصعيد؟

في المفارقات أيضاً، كيف يمكن التوفيق بين إعلان وزير الخارجية السوري وليد المعلم «أننا سننسى أن أوروبا على الخريطة»، وبين سعي رئيس الحكومة اللبنانية، وهو صديقٌ مقرب من القيادة السورية، الى إثبات التزامه بأفضل العلاقات مع الغرب، ومحاولته إيجاد الصيغة التي ترضي الاتحاد الأوروبي الذي طالبه سفراؤه أول من أمس بأن «تتابع المحكمة الدولية عملها من دون عوائق وبتعاون السلطات اللبنانية»؟

وإذا كان على الحكومة الجديدة أن تراعي مقتضيات المواجهة السورية مع أوروبا، فهل تستطيع أن تنسى 220 مليون يورو يقدمها الاتحاد الأوروبي هبات وقروضاً للبنان، بموازاة تعليق الجانب السوري للجغرافيا السياسية، وفي وقت يجهد ميقاتي للحصول على تعاون أوروبا وأميركا معه خشية عزل لبنان؟

هل تقود المفارقات في لبنان الى سيناريوات شبيهة بما يحصل في دول عربية عدة ومنها سورية، فيشهد البلد تظاهرات تقودها المعارضة، احتجاجاً على حصول ما يبشر بحصوله رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون، من توعّد بالسجن أو الإبعاد فتندلع «انتفاضة» ما، ليس على النظام كما في سورية والدول الأخرى، بل على الحكومة والقوى التي تمسك بزمام السلطة. وماذا لو شمل هذا السيناريو اعتماد من بيدهم القرار أسلوب الموجهات الدموية التي تحصل في غير بلد عربي ضد المتظاهرين، فيتكرر في بلد يفتخر بأنه لا ضرورة لأن تنطلق منه الثورة سعياً للديموقراطية والحرية، لأن نظامه تعددي ويتمتع بمقدار كبير من الحرية أصلاً؟ فالمنطق يقول إن المعارضة لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء استهدافها.

إن دلّت هذه المفارقات والسيناريوات على شيء، فعلى أن الاطمئنان الى ان لبنان سيكون بمنأى عن تداعيات الثورات العربية القائمة والاضطراب السياسي والأمني والشعبي، لأن نظامه مختلف، ليس صحيحاً بالضرورة. فهو اطمئنان يعاكسه جنوح أطراف فيه الى العودة به الى الوراء في ممارسة السلطة بطريقة لا تشبه خصوصياته. فالمقدار المقبول من الديموقراطية فيه ونسبة الحرية العالية قياساً الى محيطه، يكونان في هذه الحال معرّضين للانتهاك من قادة في الداخل ينجذبون الى هذا المحيط خلافاً لانتمائهم الى نسيجه الداخلي.

المفارقات اللبنانية والسيناريوات التي ستولّدها، قد تجد متنفساً لها داخل الحكومة الجديدة، تعويضاً عن سيناريوات الشارع، وقد تطيح الائتلاف الذي أدى اليها إذا بقي الجموح نفسه قائماً.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل