يتعطّل تفكير أي مواطن عربي عندما يستمع لوزير خارجية ـ يوصف بأنه ديبلوماسي رفيع المستوى ـ وهو يقول: «سننسى أن أوروبا على الخارطة»، ويحتاج مع هكذا «نسيان» إلى الوقوف أمام خارطة العالم لمشاهدة «أوروبا» تلك ـ التي لم تنم ليلتها وخرجت شعوبها تتظاهر مطالبة الوزير بعدم نسيان قارتهم ـ لتكتشف أن مساحتها تبلغ حوالى 10.180 مليون كم2 (7.1٪ من مساحة الأرض)، وهي ثالث قارة من حيث عدد السكان في العالم إذ يزيد عدد سكانها عن 700 مليون نسمة (11 ٪ من سكان الأرض)، وأوروبا تعني «الوجه العريض، والاتحاد الأوروبي واحدة من أول أفكار التوحيد السلمي من خلال التعاون والمساواة في العضوية قدمها المفكر السلمي فيكتور هوغو عام 1851 من دون أن تحظى بفرصة جادة في التطبيق وهو يضم 27 دولة من الدول الأعضاء، وثلاث دول مرشحة، و19 دولة تحمل تصنيف دول أوروبية أخرى.
ومن أين للأنظمة العربية التي لا ترى أبعد من أنفها أو ذاكرتها أو «كروشها» أن تعي مخاطر ما يُحدق بالمنطقة عموماً فيما كلّ نظام يتخبط في دماء شعبه لإنقاذ رأسه ونفسه وعائلته لا أكثر!!
لم يعد العالم ينظر باتجاه مصر فهو مشغول بما يحدث في سورية، على اعتبار أنّ المشهد تم تجميد صورته في ليبيا واليمن، الحكم المقبل في مصر سيُحدّد هوية الأنظمة المقبلة لـ»تلبد» على قلوب شعوب العالم العربي، ومن يتابع إعجاب «الأميركان» بـ»الإخوان» في مصر يُدرك أن التخلّص من «تنظيم القاعدة» و»الأنظمة» التي تستخدمه فزاعة لبقائها ولو على أنهار من الدماء تمّ وضعه من زمن بعيد، منذ سمحت أميركا بوصول «حماس» إلى السلطة في فلسطين، إذ ليس المطلوب أكثر من أن تنشغل كلّ المجموعات الإسلامية أو الجماعات أو التيارات أو التنظيمات إلا في تذبيح بعضها بعضاً، وبين هذه «يُهرس» الوجود المسيحي العربي في المنطقة التي ستنشغل بتكفير هذه المجموعات لبعضها البعض، فكيف سيكون حال المسيحيين بينهم، وهديّة الديموقراطية المفخّخة ليست مطلوبة إلا لمرة واحدة والمنطقة ستنفجر «منها لحالها» بمن فيها وتنزلق إلى مستنقع أخطر بكثير من الحروب المذهبية الصغيرة، ستنزلق إلى حرب عقائدية بين أبناء دين واحد أصبح مئات «الإسلامات» بفعل شلال الفتاوى المسمومة!!
الخطر يكاد يصبح واقعاً لشعوب تصوّت وتُستَفْتَى بغرائزها الدينية، ضحك الإخوان على بسطاء المصريين المسلمين وأوهموهم أن الاستفتاء على تعديل الدستور هو استفتاء على تغيير المادة التي تنصّ على أنّ الإسلام دين الدولة، وهذا الشعب «المحروم» من ممارسة حقه في التصويت وعاش مقموعاً بتزوير الانتخابات ثلاثين عاماً هبّ لنجدة الإسلام فنجح الإخوان في الحصول على أغلبية كبيرة (77٪)…
من يتابع الغزل الأميركي الزائد والمديح المستفيض خصوصاً عندما يكون مذيلاً بالمقارنة مع تجربة الأحزاب الدينية في أول برلمان عراقي، يدرك أن على العالم العربي أن يخاف كثيراً بمسلميه ومسيحييه من النموذج الإخواني الديموقراطي الذي تتغنّى به المجلات والصحف الأميركيّة!!
وصفت مجلة «تايم» الأميركية جماعة الإخوان المسلمين المصرية بأنها أكثر التنظيمات ديمقراطية في مصر في ضوء الوضع الحالي منذ الإطاحة بنظام مبارك وقالت: «على نقيض موقف الليبراليين، يحتفظ الإخوان بالهدوء وعرضوا تكوين تحالف يضم ليبراليين ويساريين في الانتخابات، ويتعهدون بأنهم لن يحاولوا اختطاف عملية إصلاح الدستور بعد الانتخابات التشريعية»!!
ما ينتظر المنطقة مع «الإخوان الأميركان» هو «تكليف إلهي» بحسب نائب المرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور محمود عزت «إن المشروع الإسلامي الذي حملته دعوة الإخوان هو «تكليف الله» لهذه الأمة بأن تكون شاهدة على مستوى الأرض والزمان، وأن هذا المشروع لا يقوم إلا بالإسلام»، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّه عن أي «إسلام» من «إسلامات» الأمّة تحدث «الإخوان» الذين يحظون بإعجاب ودعاية الصحف والمجلات الأميركية هذه الأيام؟