كتبت صحيفة "النهار": رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابرهيم كنعان اليوم أمام واقع جديد، ربما يكون مأزوماً، اذ ان الاعتراض على السياسات المالية يصبح أمراً معقداً مع حكومة اللون الواحد، أو مع حكومة الحلفاء، فهل يعترض ويحاسب وزيراً حليفاً، أم يظهر صدقية في محاسبة ممارسات وسياسات مالية قد لا تتبدل مع الوزير الجديد محمد الصفدي اذ هي مرتبطة بجملة وقائع ومعطيات يبدو معها التغيير معقداً إن لم يكن مستحيلاً. النائب كنعان قال لـ"النهار" إنه، ولجنة المال، يهادنان الوزير الجديد لافساح المجال امامه للتعرف الى ملفاته والاطلاع عليها، ورسم سياساته المالية، او بالأحرى السياسات المالية للحكومة الجديدة التي لم تعرض بيانها ولم تنقل الثقة. الا انه كتب مقالاً رسم فيه معالم المرحلة المقبلة لعمل اللجنة.
صحيح أن الاجتماعات الستة التي عقدتها لجنة المال والموازنة للاستماع إلى ديوان المحاسبة ووزارة المال عن واقع الحسابات المالية منذ عام 1993 وحتى الآن، قد بينت أن هناك أكثر من خلل في هذه الحسابات، وصحيح أن مستندات ووثائق ومعلومات وفيرة قد توافرت للجنة وبينت الكثير من الأخطاء والتجاوزات في البنية النظامية للحسابات الممسوكة من قبل وزارة المال، والعبث الذي لحق ببعضها، والنواقص في القيود التي يجب مسكها والمستندات التبريرية التي يجب أن يحتفظ بها، إلا أن كل ذلك ليس سوى جزء بسيط جداً من جبل الجليد الذي يجسد محاسبة الدولة المنوط بوزارة المال أمر مسكها والإفصاح عن نتائجها.
فكيف السبيل إلى إبراز هذا الجبل أولاً، وإذابة جليده لكشف مكنوناته ثانياً، إن لم يكن بإعداد الحسابات وتدقيق القيود وتفحص المستندات وبيان النتائج وإظهار الأخطاء وإبراز النواقص وتحديد المسؤوليات؟
وكيف السبيل إلى ذلك إذا تلكأت الإدارة المالية المسؤولة عن إعداد الحسابات عن القيام بموجباتها الوظيفية، وحظيت بدعم السلطة السياسية الممسكة زمام الأمور في وزارة المال على امتداد السنين الثماني عشرة الماضية، وعجزت السلطة الإدارية التسلسلية عن ممارسة حقها في المحاسبة فالمعاقبة؟
وكيف السبيل إلى ذلك إذا كانت السلطة السياسية ذاتها تتهرب من وضع خطة عملية لإعداد الحسابات وتدقيقها ضمن مهلة معقولة؟ أو تطرح خطة لا تؤتي مفاعيلها إلا بعد أكثر من سبع سنوات؟ هذا إذا صدقت النيات وصحت التوقعات؟
وكيف السبيل إلى ذلك إذا كانت السلطة الإدارية التسلسلية قد حاولت منذ أكثر من سنتين تكليف فريق عمل لإعداد الحسابات المالية وتدقيقها في مهلة ستة أشهر، فألغت السلطة السياسية هذا التدبير؟
وكيف السبيل إلى تحرير موازنات الدولة المتوقف إقرارها منذ أكثر من خمس سنوات لارتباطها بإقرار الحسابات المالية، إذا استمر واقع الحسابات المالية على ما هو عليه؟
وكيف السبيل إلى ممارسة الرقابة على أعمال الحكومة المالية ومحاسبتها بالتالي إذا امتنعت عن الإفصاح عن نتائج حساباتها؟
وكيف السبيل إلى معرفة حقيقة التجاوز الفعلي الحاصل في الإنفاق العام خلال السنوات 2006 – 2009 في حال عدم إعداد الحسابات المالية العائدة لهذه السنوات وتدقيقها؟
وكيف السبيل إلى معرفة التجاوزات التي ربما قد تكون ارتكبت خلال السنوات الماضية في حال عدم تدقيق القيود والحسابات؟
تجاه هذا الواقع كان لا بد من المبادرة تعبيراً عن عدم السكوت عن هذا الواقع من جهة، وعدم السماح باستمراره بوجود السلطة السياسية الجديدة من جهة ثانية، وعدم الركون إليه بعد تسلم وزير جديد لوزارة المالية من جهة ثالثة.
لذلك لا بدّ من خطة عمل تقوم على:
1 – فرق عمل متخصصة يتم اختيار عناصرها بدقة متناهية وترتبط مباشرة برأس الهرم الإداري في الوزارة، أي بالمدير العام لوزارة المال، بوصفه المسؤول الإداري التسلسلي عن أعمال الوحدات والموظفين التابعين للمديرية العامة التي يرأس.
2 – حصر عمل الإدارة المالية الحالية بتلبية طلبات فرق العمل وإعطائها الأولوية على أي عمل آخر.
3 – عدم إعادة تكوين الحسابات بإصدار حسابات مالية جديدة مصححة، لأن إعادة إعداد حسابات جديدة مصححة مخالف للقانون وللأصول المحاسبية السليمة، بل إلى تدقيق الموقوف منها بنهاية كل سنة وإجراء القيود التصحيحية التي تبين في المحصلة حقيقة الوضع المالي، والتجاوزات والاختلالات والاختلاسات في حال حصولها.
4 – تحديد مدة زمنية بأشهر، أي أنها خطة قصيرة المدى وتؤتي مفاعيلها في مدى منظور،
وتمكن من تحقيق الغايات الآتية:
1 – إنجاز الحسابات المالية النهائية المتراكمة منذ عام 1993.
2 – تحرير موازنات الدولة المتوقف أمر إقرارها منذ عام 2006.
3 – إظهار التجاوزات والمخالفات والأخطاء والارتكابات والاختلاسات في حال وجودها، وتحديد المسؤولين عن كل منها.
4 – إتاحة المجال لمحاسبة المسؤولين عن المخالفات والمقصرين والمهملين والمتواطئين.
5 – إبراز حقيقة الوضع المالي للدولة.
6 – تعديل الأنظمة المحاسبية والمعلوماتية والإجرائية المعتمدة في وزارة المال.
7 – وضع الموظف المناسب في المكان المناسب، وفي ذلك مصلحة للإدارة وخدمة للوطن.
وتمتاز بأنها:
1 – لا تحمي إدارة مالية عاجزة أو مقصرة أو متواطئة، وإدارة سياسية متورطة، بل تكشف، وربما تفضح، أخطاء الأولى وخطايا الثانية.
2 – تحدد سقوفاً وتضع ضوابط للمالية العامة في المستقبل سواء في ما يتعلق بعمل الإدارة المالية أو برقابة وإشراف الإدارة السياسية لوزارة المال.
3 – تشكل ضمانة بأن عملاً مبرمجاً قد وضع لإعداد الحسابات المالية وتدقيقها وإنجازها، لا إبقاء هذه المهمة على همة مسؤول سياسي أو إداري. فالخطط وبرامج التنفيذ المحددة السقوف والمعايير هي الضمانة لإنجاز العمل بكفاءة وإتقان، لا الأشخاص والمسؤولون مهما علا شأنهم وحسنت نياتهم، وبالتالي هي تتيح المجال للمراقبة والمحاسبة على أساس مدى التزام المعايير الموضوعة وبالسقوف المحددة. فالتنفيذ دون خطة مبنية على معايير وسقوف لا يمكن أن يكون عرضة للمساءلة والمحاسبة.
قد يتساءل البعض عن السبب الذي يدفع بنائب في البرلمان ورئيس للجنة المال والموازنة إلى اقتراح أفكار لإنجاز الحسابات المالية وهو من صلب مهمات السلطة التنفيذية، ومن صلب مهمات وزارة المال بالتخصيص؟
في الواقع، إن ما دفعني إلى تقديم هذه الأفكار أمران:
أولهما، الإسهام في وضع حسابات مالية سليمة وتحرير المالية العامة والموازنات السابقة و اللاحقة من الواقع المأزوم الذي وصلت إليه، وهذا الأمر لا ينقذ العاجزين أو غير الراغبين بوضع هذه الحسابات من متورطين ومتواطئين ومبتزين، بل يعريهم أمام الرأي العام من جهة، ويعري نتائج ما فعلوا بنتيجة ما ستكشفه الحسابات بعد تدقيقها من جهة ثانية.
وثانيهما، إنني من تيار سياسي يؤمن بالتغيير والإصلاح ويعمل لهما. وهذا لا يكون بالتنظير والانتقاد، بل بالمبادرة والإقدام عندما يحجم الآخرون أو لا يجرؤون. ألم أبادر منذ أكثر من ستة عشر شهراً إلى طرح منهجية لإعداد موازنة الدولة ودرسها وهي من صلاحيات السلطة التنفيذية؟ فليس الموقع هو الذي يحدد المسار الذي انتهجه، بل الالتزام السياسي والوطني.
وحسبي أن أكون ممن ينيرون شمعة في ظلام واقع الحسابات المالية النهائية، لا ممن يلعنون هذا الظلام ألف مرة في اليوم، ويقفون في طريق من يعمل على تغييره.