ألم يعد أمام الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي من حل سوى العمل على تغيير النظام في سوريا، والاتيان بنظام آخر يفك الارتباط مع الدولة التي نقلت نفوذها من حدود روسيا الى حدود المتوسط في لبنان وفلسطين؟
من ابلغ التعليقات التي صدرت حول خطاب الرئيس بشار الاسد، كان التعليق التالي: انه دواء سياسي ناجع لولا ان مدة مفعوله قد انتهت، واصبح علاجاً عتيقاً لا يشفي الازمة المتنامية.
ويستدل من هذا التعليق الذي تناقلته الصحف الاجنبية، ان الدول الغربية الداعية الى تغيير جذري في طبيعة النظام، كانت تتوقع من الرئيس الشاب إحداث نقلة نوعية اكبر من الاصلاحات الموعودة. خصوصاً ان معايير التصنيف الاقتصادي، لا تزال تضع سوريا في عداد الدول الخارجة على معايير النظام العالمي، مثل كوبا وكوريا الشمالية.
وعقب تولي بشار الاسد رئاسة الجمهورية السورية خلفاً لوالده عام الفين، حاول تحديث صورة النظام الذي قاده حافظ الاسد منذ سنة 1970. وأعلن في خطاب القسم احترامه لحق الاختلاف في وجهات النظر، الامر الذي اعتبره "الحرس القديم" تجاوزاً للمادة الثامنة من الدستور السوري. اي المادة التي تنص على ان حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة. لذلك اضطر الى تجاوز هذه الخطوة في حينه، مستعيضاً عنها بخطوة اخرى تتمثل بفتح ملف الفساد والافساد. وبما ان غالبية المرتكبين كانت محسوبة على النظام وانصاره، فقد تعرّض الرئيس الجديد لتدخّل كبار المسؤولين الذين طالبوا بارجاء اعلان الاسماء، خوفاً من استغلالها لتشويه سمعة الحزب.
وفي صيف 2001 قامت الاجهزة الامنية باعتقال بعض رموز "ربيع دمشق" ممن توقعوا حدوث انفراج سياسي بعد التركيز على الديموقراطية في خطاب القسم. ولكنهم سرعان ما تبينوا ان حزب البعث ما زال يطبّق المادة الثامنة من الدستور منذ سنة 1963، وانه يحتفظ بدوره القيادي في الدولة والمجتمع.
ويستدل من مراجعة سلسلة النصائح التي قدمتها تركيا على لسان رئيس الجمهورية عبدالله غول ورئيس الحكومة رجب طيب اردوغان، ان دعوتهما للتغيير تركّزت على تعديل المادة الثامنة من الدستور. وهذا ما يعنيه الرئيس "غول" عندما يقول انه كان يتمنى لو قال الرئيس بشار ان بلاده ستنتقل الى نظام حزبي تعددي يكفل حرية الرأي لكل المواطنين. ومثل هذا الكلام كرره اردوغان بصيغ مختلفة. ولم يكن مؤتمر انطاليا الذي رعته انقره، اكثر من مسوّدة مشروع لصهر كل حقوق مكونات الشعب السوري في الدستور الجديد.
يرى المراقبون ان الصداقة المتينة التي تجمع بين الاسد واردوغان، والتي ترجمت الى عدة اتفاقيات سياسية واقتصادية وادارية ومائية… هذه الصداقة جعلت رئيس وزراء تركيا يتخطى دور الجامعة العربية وينصح صديقه بضرورة إحداث اصلاحات عاجلة على مستوى حزب السلطة او على مستوى مؤسسات الدولة. وقد دعم نصائحه بتخفيف صدى الحملات الاعلامية التي شنت ضد النظام السوري، وذلك باحتضان عشرة آلاف لاجىء هربوا من المدن والقرى الحدودية. واللافت ان تركيا تولّت وحدها مسؤولية ايوائهم واطعامهم، رافضة كل المساعدات الخارجية. يقول بعض المحللين ان اهتمام تركيا بالشأن السوري ناتج عن عدة اعتبارات سياسية وامنية واستراتيجية، اهمها:
اولاً – يتخوف اردوغان من استمرار العصيان الشعبي في سوريا بحيث تتحول التظاهرات اليومية الى اشتباكات مسلحة تدفع بآلاف الاكراد الى الهرب في اتجاه تركيا، في حين يهرب المسيحيون (عددهم مليونان) الى لبنان. وهذا يعني تعزيز تيار انفصال الاكراد في جنوب البلاد، الامر الذي يجبر انقره على انشاء منطقة عازلة يلجأ اليها الهاربون. خصوصاً ان عدد الاكراد في سوريا يربو على ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة.
ثانياً – في حال استمرت التظاهرات – نزولاً عند طلب قيادات المعارضة – طوال شهر رمضان المبارك، خصوصاً في ساعات الليل، فان دمشق وحلب مرشحتان للانضمام الى حملة الاحتجاجات. ويتوقع المراقبون تحرّك فاعليات الطبقة الوسطى ونقابات التجار والصناعيين الذين سيتأثرون حتماً بالأزمة الاقتصادية الخانقة.
ثالثاً – يتهم "حزب البعث" الحاكم في سوريا، قيادة "الاخوان المسلمين" بالعمل على تأجيج مشاعر المسلمين السنّة الذين يتعاطفون مع المعارضة في الارياف ومدن الاطراف. ولكن التهديد الذي وجهه بشار الاسد في خطابه الى المسلحين، أثبت انه عازم على ممارسة سياسة التحدي التي سبق لوالده ان مارسها في حماة سنة 1982.
رابعاً – طلبت تركيا من الاتحاد الاوروبي في لوكسمبورغ، اعادة النظر في مضمون خطاب الاسد قبل اتخاذ موقف نهائي من الوعود التي قطعها على نفسه، مؤكداً ان التعديلات الدستورية رهن باتفاق المتحاورين. وحذّر اردوغان من مخاطر حشر الاسد في زاوية العقوبات، الامر الذي يؤدي الى انفجار حرب طائفية واسعة بين السنّة والعلويين والاكراد والدروز والمسيحيين. ويخشى اللبنانيون ان الحرب الطائفية داخل سوريا ستدفع "حزب الله" الى التدخل خارج الحدود، بحيث تمتد نار الفتنة الى لبنان – مثلما حدث سنة 1860 – من دون أن يكون هناك عبد القادر الجزائري ليحمي المستضعفين.
هذا، ولتفادي الوقوع في المطبات الطائفية، شكل الاسد "هيئة الحوار الوطني" من ممثلي احزاب سياسية مرخصة، على ان يتم اختيار من تقترحهم المعارضة من اجل صوغ التعديلات المطلوبة. وقد حظي الكتاب والمثقفون والمحامون بالمشاركة في وضع آلية الحوار.
وزير خارجية سوريا وليد المعلم عقد مؤتمراً صحافياً انتقد فيه دور الاتحاد الاوروبي، واعلن ان بلاده محت القارة الاوروبية من اطلسها. وقال ان فضاء سوريا الجديد سيكون في الشرق، اي في العراق وايران وافغانستان واوزبكستان الخ. وذكر أنه سيوصي بتجميد عضوية سوريا في الاتحاد من اجل المتوسط.
وكان بهذا الكلام يلمح الى عتبه الكبير على الموقف الذي اتخذه الرئيس ساركوزي من مسألة العقوبات وتجميد ارصدة العديد من الشخصيات السورية بمن فيهم الرئيس بشار الاسد. والسبب – كما تزعم الدول الاوروبية – انه قتل من مواطنيه 1300 شخصا، في معرض دفاعه عن نظامه، بينما اكتفى زين العابدين بن علي وحسني مبارك بالاستقالة، حرصا على دم الابرياء، ومعنى هذا ان الاسد قلّد معمر القذافي، لذلك يستحق معاملة مماثلة كالمعاملة التي مارسها الحلف الاطلسي ضد النظام الليبي. علما، بأن التدخل العسكري الخارجي عجز حتى اليوم عن حسم نهاية الحرب.
ولا بد من التذكير في هذا السياق، أن مصطلح "قتل الشعب" ابتدعه خبير قانوني يهودي يدعى رفائيل لمكين سنة 1944. وقد استخدم هذا المصطلح ليميز بين قتل اليهود اثناء الحرب العالمية الثانية وبين سواهم من البشر.
ولما جرى التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة سنة 1948، استخدم الاعضاء هذا المصطلح المريب للنهي عن محاولات القضاء على جماعة دينية او عرقية او قومية او عنصرية.
وقد تبين للمشترعين العرب ان هذا المعيار الذي وجد خصيصا ليهود المانيا النازية، لا ينطبق على المتمردين الذين يحاولون اسقاط النظام السياسي، ان كان في مصر او ليبيا او سورياّ!
ولكن اردوغان استفظع عمليات قتل المطالبين بالحرية والحقوق المدنية، ودعا صديقه بشار الى احترام مطالب الشعب، معتبراً انه دخل الى الحكم من ابواب الناس لا من ابواب جنرالات الجيش! وكان بهذا التلميح يشير الى القيادة المصغرة التي تضم عائلة الاسد وحلفاءه الاساسيين في الاجهزة العسكرية الامنية.
الى جانب قادة هيئة الاركان في سلاحي الجو والبر، يعتمد الرئيس الاسد على معارضة روسيا والصين لأي تدخل عسكري في بلاده. لذلك طالبت موسكو بضرورة اعطاء النظام السوري الفرصة الزمنية المطلوبة للمباشرة في الاصلاحات، مطلع الخريف. وربما تساعدها على تمرير المرحلة الصعبة خلال هذا الصيف، بعدما قررت زيادة قطع اسطولها في قاعدة اللاذقية البحرية، الامر الذي يقوي نفوذها في المتوسط.
بقي السؤال الاهم: هل تعطي الدول الغربية النظام السوري الفرصة الكافية لترتيب اموره مع المحتجين، ام ان استعداد المعارضة لاستئناف القتال كالمعارضة الليبية، سيقلب الموازين ويدفع الجيش الى مواصلة القمع والاعتقال؟!
الولايات المتحدة قررت التعامل مع ما يجري في سوريا بحذر وبطء لعل العقوبات وضغوطات الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي، تردع المسؤولين عن مواصلة التحدي. وقد عزت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون هذا الموقف الى سببين مهمين: الاول – ان سوريا دولة مؤثرة في محيطها، وقادرة على احتواء "حزب الله" و"حماس". وهي في الوقت ذاته، ستساعد اميركا على الخروج من العراق بأقل قدر ممكن من الاذى، اضافة الى تعاونها مع ايران لضبط الساحة اللبنانية.
ثانياً – عندما وعد الاسد بتهدئة الوضع الداخلي من طريق الانتخابات البرلمانية في آب واكمال الاصلاحات في ايلول، سارع الى تثبيت سيطرته على لبنان بواسطة "حزب الله" وحلفائه التقليديين.
وتحتفظ الادارة الاميركية بسبب ثالث قد يوظفه الرئيس اوباما لتجديد ولايته او لاقناع نتنياهو بضرورة الموافقة على الدولة الفلسطينية المزمع اعلانها في الجمعية العمومية. ذلك انها تعرف جيدا مدى الضغوط التي مورست على الرئيس الاسد من اجل فك ارتباطه مع ايران، بدءا بالمحادثات الفاشلة مع الجنرال كولن باول… وانتهاء بالاغراءات السياسية التي قدمها الرئيس ساركوزي عندما دعاه للاحتفال بذكرى الثورة الفرنسية في تموز 2008.
ولم يعد امام الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي من حل سوى العمل على تغيير النظام في سوريا، والاتيان بنظام آخر يفك الارتباط مع الدولة التي نقلت نفوذها من حدود روسيا الى حدود المتوسط في لبنان وفلسطين!