#adsense

حكومة نهاية الوصايتين

حجم الخط

ما يجري اليوم عندنا في لبنان على أيدي "صنائع "الوصايتين و"دُماها"، وأخاليطها، هو استمرار لذهنية "النظام الأمني السابق (أيام إميل لحود وجميل السيد وعضوم… وصولاً إلى غازي كنعان ورستم غزالي..) الذي يعتبر محاولة لتجسيد نموذجها في بنيتيهما الشموليتين والطغيانيتين.

إذاً لا جديد في ما نشهد. لا في الآلة الاعلامية الدعائية المشحونة بالتلفيق والتشهير والتخوين ولا في المنطوق التهويلي، ولا في "منظومة" التهديد، وصولاً إلى الترهيب والنفي والخطف، ولا إلى التلويح بالقمع.. والقتل استعادة الصورة التي اعتمدها نظام الولايتين عند الشقيقة العربية والأخرى الأعجمية. لا شيء جديداً لمن يسترجع وقائع عهد الوصايات المتعاقبة على لبنان. فالثوابت ما زالت ثوابت لكن هناك فارقاً أساسياً اليوم، وهو ما تمّ إما تجاهله من قبل صنائع الوصايتين أو طمسه: أي ثورة الأرز، لقد نسي هؤلاء (من فوق إلى تحت!) ان انتفاضة الأرز قد بدأت تحطيم جدران الخوف في لبنان تماماً كما حطمت الثورات العربية جدرانها. وتفجرت في الميادين والمدن والدساكر، وأطاحت نظامين وهي مستمرة لإطاحة ما تبقى من منصات الطغاة. انهم يَتَصامَمون ويَتَعامون عما جرى ويجري حولهم. وكأنهم يلعبون "ورقتهم" الأخيرة، ويراهنون على جنونهم الأخير.

الأمور تتكرر. والطغاة وصنائعهم لا يتعظون. ولا يهتدون التجاربَ. ونظن انه في هذا الإطار لو قرأ جماعة "8 آذار" جيداً ثورة 14 آذار؛ ولو قرأ اولياؤهم في إيران وسائر الأنظمة العربية، هذه الثورة اللبنانية العروبية المتجددة، ومعانيها ووقائعها وفصولها ونجاحها لما كانت الأمور وصلت إلى هذا الحد لا في مصر ولا في تونس ولا في اليمن، ولا في ليبيا ولا في سوريا. قرأوا تجربة 14 آذار وظنوا أنهم يقرأون "الثورة الخضراء" في إيران وتوهموا أن اساليب قمع هذه الثورة الديموقراطية في إيران، والتي أدت إلى تراجع وتائرها مؤقتاً نموذج أعلى لمواجهة الواقع. ولا نظن أن خبرات الباسيج والقوى الأمنية الإيرانية توصلت إلى إنهاء الثورة الإيرانية، ولا أنها تصلح للتصدير لا في مواجهة الثورات في لبنان أو في سوريا أو في مصر… فخبرات "ولاية الفقيه" وخدماته القمعية…. فشلت حتى في إيران فما بالك في بلدان أخرى. انهم يخلطون شعبان برمضان! لأن الذهنيات الأمنية والبوليسية غير صالحة للتعامل مع الظواهر الكبرى، سواء كانت سياسية أم ثورية أم اقتصادية. قد يكون حقق ذلك نجاحاً مرحلياً على امتداد العقود الستة في العالم العربي، ضمن تشابكات ظروف ومعطيات مركبة، لكن، اليوم، فنحن على منعطفات مشرفة على عصر جديد، يبدو فيه الطغاة من نوافل العهود البائدة. الثوار في عصر وأنظمة الطغاة في عصر آخر. ولهذا من غير المجدي استخدام أساليب قديمة على ظواهر جديدة. فمخوخ الطغاة ينخرها السوس، والتخلف والجهل والعتمة، ويشوبها غبار الفي… ولهذا، فان مقتلها في مخوخها. ولهذا نراها تعيش عزلة "وجودية" (أكثر منها سياسية) ازاء ما يعتمل في الأفكار الجديدة، وما يتفجر في الساحات! ولأن "أخاليط" 8 آذار مصنوعة من "كيميائيات" الطغاة الذين يتساقطون في الزمن تساقطهم في الواقع، فمن الطبيعي أن يسلكوا عن غباء او عن ارتباط أو عن تفاهة أو عن يأس، مسالك أوليائهم. وإذا كنّا رأينا في الوصايات التي تتالت علينا وفي انظمتها المجرمة والفاسدة، وكأنها أنظمة قدرية "من الأبد إلى الأبد" فإن الرؤية كلها تغيرت اليوم وانقلبت الأمور: فبين هشاشة الشعوب المقهورة وصلابة الأنظمة المستبدة، انقلبت الصورة إلى درجة عشنا فيها معاينة تفكك هذه الأنظمة وتحلل قوتها الوهمية وهيبتها "المصونة" فأي هشاشة! وأي هُزال وأي ركاركة ظهرت عليها هذه المنظومات المخابراتية والعسكرية والقمعية: بدت أقل من جبال نفايات! وبدا الشعب العربي وكأن القهر قد حفر بينه أنهراً سرية جوفية، حتى قلنا كأن وحدة سرية عربية غير معلنة تحققت. للمرة الأولى نكتشف مدى الأواصر التي تربط بين هذه الأقطار العربية. أتذكر ثواراً شباناً من مصر وتونس وليبيا هتفوا في الساحات: "صرنا نفتخر بأننا عرب". ويقصدون انهم حطموا الصورة السلِيبة التي رسمتها عنهم أنظمتهم، لتبرير الغائهم! يعني ذلك "وداعاً" لظواهر القمع والقتل والترهيب و"التشويه" المنظمة، أي وداعاً للسكوت عن هذه الممارسات. "تجاوزنا هذه الأنظمة". هتفوا في الساحات. "صارت وراءنا". صارت تنتمي فجأة إلى القرون الوسطى وهذا بالتحديد ماحدث في لبنان. فمتعلقات هذه الأنظمة السافرة في 8 آذار، من حزب الله إلى سائر "فروعه" باتت في حكم حضور الغائب أو غياب الحاضر. وتظن هذه "المتعلقات" المدججة بأسلحة باتت من خردة المُهملات انها تستطيع بالقوة، وباعتماد وسائل أقرانها في ليبيا واليمن وإيران وسوريا… ومصر وتونس، قادرة على إعادة الزمن إلى الوراء وقادرة على إدامة "معاني" الظلامية والتخلف والكانتونية والعنف والشمولية والفساد في "معاني" الحاضر الجديد. فـ"آلة الزمن" يا متعلقات 8 آذار موضوعة اليوم على سكة المستقبل، وليس على طريق "الهية" ولاية الفقيه ولا على طغيانية الاستبداديين: وإذا كان قد ربط "الاثنان" علاقة مصيرية، فهذه العلاقة تقوم على الدفاع عن الذات أمام عواصف الوقت الآتي. وهذا ما نقصده عندما نقول إن حزب الله سيذهب بعيداً (مع متعلقاته) في عملية الدفاع عن موقفه في اتجاه "الهروب إلى الأمام" لكي يحافظ على "الوراء". فمنع "الأمَام" لكي يحافظ على "الوراء". والغريب المستغرب ان تكتشف مدى عزلة هؤلاء "اخاليط" 8 آذار عن أي فكرة مستقبلية، أو عن أي وعي تاريخي. ولذا يريدون وبحكم "غيبوبتهم" (المسلحة والممولة) ان يسقطوا لبنان مجدداً (والعالم العربي طبعاً لا سيما عروبته الحضارية) في غيبوبة اللاتاريخ. فهم اليوم مع الطغاة، بقايا "لا تاريخ" في زحمة التاريخ المليء بالمبتكرات والاجتراحات. ونظن اننا احسسنا "بشيخوخة" حزب الله "اللاتاريخية" (اللا تاريخ شيخوخة مبكرة حتى عند الشعراء والكتاب والأحزاب) وبقوة، بعدما اجتاحت الثورات الشبابية المساحات الحية الجديدة المكتظة بالرموز والاشارات المتعددة والمتنوعة والثرية. وحدهم الطغاة ومتعلقاتهم يمانعون في قراءة التاريخ قراءة داخلية غير احادية. وحدهم الطغاة يرفضون الانخراط في الحركات المجتمعية والحضارية والثقافية المعتملة في بواطن الشعوب والتحركات الصامتة والاشارات الدالة. ذلك لأنهم يُجافون قراءة الحقائق الكبرى (المتحولة طبعاً) والهويات الجوانية المتضاربة والمتصارعة والحريات المتنازعة الوجود داخل الجدران. ولهذا فهم (ككثير من الكتاب والأحزاب والشعراء)، على هامش هذه الانزياحات السافرة أو الخفية، المؤقتة أو الصارخة، المنتظرة أو المتأهبة. ذلك لأن 8 آذار وفارسها حزب الله وامتداداً إلى مرجعياتهم في الخارج، يريدون تجميد التاريخ بقوة "اللاتاريخ". بوسائل من خارجه. وبصنوف من المعالجات الخرافية والعنف. ونظن أن الزمن الذي مهّد للثورة الإيرانية، وقبل ذلك للانقلابات العسكرية العربية، وتكرسها، قد أفل. وهذا ما لا يريد أن يعترف به لا فقيه الثورة الإيرانية (دام ظله) ولا الطغاة الآخرون. اذ كيف يمكن أن يُديموا زمنهم "اللاتاريخي" الجامد الساكن في مجرى التاريخ العاصف اليوم. فالسدود لا تكفي. وتسميم الأنهر لا تكفي (لا أحد قادراً على تسميم الزمن عندما ينخرط في لعبة التاريخ). وتالياً فممانعة هذه "السيرورة"= الصيرورة (وليس ضمن المقولة الماركسية) ممانعة للحياة نفسها. ممانعة للوجود. ممانعة للكائن الإنساني. ممانعة للقيم الحضارية. ممانعة لاحتمالات الصراعات الثقافية والأيديولوجية والاجتماعية. وهنا بالذات يمكننا فهم كيفية لجوء حزب الله إلى كل ما هو عدمي في لبوس "الايمان" وإلى كل ما هو "ايماني" في لبوس "العدمي" أي لجوء الحزب إلى استعادة لغة "التقديس" كمعادل لغة العقل، ولغة الدين كمقابل للغة المجتمع، ولغة المذهب كمعادل للغة الوطن (وهي معادلات مارستها الميليشيات الإلهية من مسيحية واسلامية وعربية على امتداد الحروب في لبنان وفشلت فشلاً دموياً ذريعاً). ولا يبدو ان حزب الله آخر عناقيد الأحزاب "الإلهية" قد استفاد من هذه الدروس. ولهذا بدا ان تماهياً عميماً ظهر بين بنية حزب ولاية الفقيه المستورد من إيران، وبين بنية ما سمي الأنظمة العلمانية الاستبدادية: فكلتاهما ارست مفاهيم "التقديس" و"البيعة" على رموز أنظمتهما: أي سمة "الألوهية" أو "القائد الملهم"، أو "الزعيم الأوحد" ليحل الإيمان "الديني" (أو المذهبي) بهؤلاء محل الوعي النقدي. ونظن ان أنظمة الطغاة "الثورية" (العلمانية) ونظام ولاية الفقيه وحزب الله هي التي مهدت لانتشار الاصوليات والسلفيات الدينية من إسلامية ومسيحية. ومن قال إن النظام الإيراني ليس نظاماً سلفياً. ومن قال إن حزب الله ليس حزباً سلفياً. ومن قال إن بعض الأحزاب المسيحية في لبنان وغيره وصولاً إلى أميركا… وأوروبا (اليوم) ليست سلفية. ونظن ان السلفية التي خرجت من صميم الحداثة وان الأصولية التي طلعت من صميم الديموقراطيات الغربية انبثقت أيضاً من صميم الأنظمة والأحزاب "الثورية" كولاية الفقيه في إيران. وهل يختلف بن لادن والظواهري مثلاً في العمق، ومن ضمن الدلالات الأساسية، عن أي مسلك من مسالك الأحزاب المذهبية كحزب الله، أو النظم "العلمانية" كما في مصر وسوريا وليبيا.. واليمن: فالجوامع متقاربة جداً: إحلال الموت محل الحياة. العبودية والخضوع محل الحرية، الإذلال محل الكرامة الإنسانية. الأحادية محل المجتمعية. والخرافة محل الوعي. والقمع محل الحوار. والفرض محل الاقتراح. وكل ذلك من مخلفات الفكر "الديني" السلفي. ولا نظن أن ثمة فارقاًَ بين نظام صدام حسين وبين نظام ولاية الفقيه إلا في الدرجة. ولا نظن أن هناك فارقاً بين فهم بن لادن للحكم وبين مفهوم القذافي: كل هؤلاء يمثلون بينات ذات مجازات "دينية" تستخدم كذرائع ليحلوا محل الشعب، وليس غريباً ان نجد هذه الأنظمة "العلمانية الاستبدادية" و"المذهبية" و"الدينية" سواء في افغانستان (سابقاً) أو في إيران حالياً متبنية (أو متضمنة أو مستلهمة) هذه الثنائيات العريقة (ذات الأصل الديني) التي تبتر العالم إلى شقين أو فلقتين، متعاميتين، متواقعتين، بين الذات والذات، بين الذات والموضوع، بين الموضوع والموضوع، وبين من يسمى الآخر والخاص، وحتى بين التاريخ واللاتاريخ. فكأن هيمنته لا تستقيم إلا في هذا "البتر" "العزلوي" أو الفصل "العنصري" بين الأمور والكائنات والصفات وحتى الأسماء بحيث تتحول هذه الثنائيات المتواترة كمتناثرات تصنع منها هذه البنى الشمولية، التي تجمع عناصرها المتنافرة بالعسف والكسر والخوف والنسف أي بمنطق القوة والإكراه يعني كل "ثنائية" قاطعة هي شمولية من ملمومات غير معقولة تتم بمنطق القوة أو "لا منطق" الثنائيات (الغيبية والمادية) يُشَكِّل بمنطق القوة للحم ما لا يلتحم، وجمع ما لا يجتمع. وهنا بالذات يلعب "الغيبي" والخرافي والأسطوري والعجائبي والرمزي أدواراً أساسية في تثبيت "واقع" هو انشائي قبل كل شيء، أو لفظي يحل محل الواقع. وهنا بالذات تتبدى "أعراض" الجنون أو اللامعقول، أو اللاتوازن، بحالاته الشتى، عند هذه المنظومات الهشة وطغاتها ، أو ليس هذا ما يجمع مثلاً مواصفات مشتركة بين النظامين الإيراني والعراقي (السابق) وبين النظامين اليمني والتونسي، وبين رموز هذه الأنظمة: القذافي "ملك الملوك" واحمدي نجاد "من علامات المهدي المنتظر" أو بين الفاشية والنازية، في نرجسية عنصرية، لكي لا ننسى المشترك بين النازية والصهيونية. (والصهيونية هي الوارث الشرعي لهذه الثنائيات المركبة).

ولهذا وإذا عدنا إلى العالم العربي اليوم في ثوراته الحية الجامحة (سلمياً) نجد ان أهم ما أنجزته هذه الثورات هي إعطاب ذهنية الثنائيات (ذهنية التحريم) أي إعطاب فكرة "تأبيد" العوارض، أي إعطاب فكرة "سيادة المتون" (المركبة عشوائياً). وانتصار الهوامش. أي الحقائق الحية للتاريخ، وإزاحة ما يُواريها، أو يقمعها. وهنا بالذات تتصدر النوازع التقدمية، (أي المستقبلية) أي الوعي (غير الشقي)، في تضاعيف الواقع كمعادل لتحولات الحياة نفسها. وهنا بالذات تبدو "القدريات" الضاغطة في هذه الأنظمة والأحزاب الشمولية (تجميع الثنائيات)، على مرمى واضح يعيد الفرد والمجتمع معاً إلى دورهما في صوغ "التاريخ" أو في تفكيك "الحقائق" والماورائيات و"الهويات القاتلة".. فما كان هامشاً في الماضي (أي الشعوب ووقائعها وطاقاتها) بات في نسائج المتون، وما كان "قدرياً" لازباً صار من معدن الإرادات الكبرى. وهذا ما لا يريد ان يتفهمه من تبقى من طغاة.. ومن أحزاب مرتبطة بهم ومن "متعلقات" وعشوائيات (الأنظمة الاستبدادية هي من عشوائيات المصادفة)؛ ذلك انهم لم يعترفوا بأن زمنهم قد تولى… وان منصاتهم اندرجت في خردة الماضي. ولا يمكن فهم، لجوء الوصايتين عندنا، إلى استعادة الأسلوب الانقلابي، عبر اسقاط حكومة الحريري، وتغيير معادلة استدراك قطار قد فاتهما ووقت قد تخطاهما… وحياة خلّفتهما وراءها؛ وشعوب صارت في المرمى الآخر، شعوب باتت تنظر إلى هذه الوصايات وكأنها من منقرضات النوافل!
فهل يمكن القول ان هذه الحكومة الانقلابية هي آخر حكومات الوصايتين، أو نهاية 8 آذار… وصولاً إلى نهاية حزب الله؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل