لا تشبه الأوهام، التي تحاول قوى الممانعة المحلية والإقليمية بيعها على أساس انها حقائق، إلا تلك التي أصابت البعض ودفعتهم الى تلبّس أدوار كبيرة على قاماتهم الصغيرة.
..مثل ذلك الذي يظن نفسه امبراطوراً لا يكبو فرسه ولا يصدأ سيفه. فيما سيفه خشب وفرسه تشبه ذلك الموصوف الشهير في روايات جحا، إذا أحسنا الظن.
ومثل ذلك الذي يدّعي انه جاء لإطفاء حرائق ولعانة وأخرى يعسُّ جمرها تحت الرماد، فلا يفعل إلا العكس، ولا ينتج إلا تكريساً لدوره الأول (والأخير!) كغطاء لمعادلة كِسر لا يتجبّر، وكيد عبثي لن يؤدي داخلياً وخارجياً إلا الى مصاعب وحرائق، غير مسبوقة.
وكأن الضخ التزويري يكفي في عُرف هؤلاء.. أو كأن الزمن المفتوح لا يحيل أي كذبة الى مذمّة مجلجلة في عنق صاحبها. تكشفه في كل حين. وتذيع بيانه الصحيح الحقيقي وليس الافتراضي على العموم. وتؤدي بعد ذلك، وفي النتيجة الأخيرة، الى الترحّم على زمن كانت فيه الرجال بكلامها وعهودها، وكانت الصدقية جواز مرور الى أفئدة الناس وبطاقة إقامة دائمة وأبدية فيها!
يبلف ذلك البعض ولا يكتفي بالتزوير. عنده لكل مقام كلام. ولكل أُذن موسيقاها. ولكل نفس هواها. يلتزم في مقام أسس وثوابت ذلك المقام. ثم في غيره يلحس بصمته ويروح يُفسّر الأسس والثوابت على انها مواقف عابرة واهتزازية تبعاً لاهتزاز الشأن السياسي اليومي!
..يملأ الدنيا تصريحاً وتلميحاً بأنه ملتزم ما يجمع عليه الناس، وسيؤكد التزامه بالملموس والمحسوس، ولا داعي للأحكام المسبقة ولا المواقف الافتراضية.. فإذا بالديك يصيح طارداً بضوء الحقيقة عتم الكذب: تدخل "إذا" الشرطية الى مقام الإجماع وتلغيه. "نحن مع المحكمة الدولية، إذا لم تتعارض مع الاستقرار والسلم الأهلي". وكأن في نفي المحكمة وصدّ العدالة "سلْماً" و"أهلاً"، أو كأن الأساس الترهيبي الجرمي الذي أوصلنا الى هنا، ما أتى إلا من بطون الحرص الشديد على "الإجماع" و"الوحدة الوطنية" و"الاستقرار"؟!
قبل ذلك التفصيل الخاص بالمحكمة.. وكل شأن آخر (؟) كان الأساس والأصل: أساس قبول مهمة إلغائية مفترية، وأصل القبول بتغطية كل ارتكاباتها. وذلك كله بعد عهود ووعود أُعطيت لشهود ثقاة بعدم المشاركة أو التنطّح لتغطية جريمة إلغاء سياسية انقلابية لها أول.. ولها آخر!
..يبقى الأكيد، ان أوهام القدرات الهائلات والكبيرات، لن تلغي بساطة الحقائق الآتية بعد أن طال الزمن! يا زمن!