بعد كلّ ما تردّد خلال الأيام الماضية من كتابات وتحليلات عن ضبط حزب الله لعملاء من كادراته، كان «بيت القصيد» في خطاب أمين عام الحزب بالأمس هذه الجملة: «في أكثر من مناسبة قلتُ أننا محصنون أمام الاختراق الإسرائيلي»، ومربط الفرس في هذه الجملة هو «تاءُ الضمير»، في فعل القول، فتاء الفاعل هذه تخصّ السيّد مباشرة، لأنّه هو صاحب هذا القول «التحصيني»، وتاء الفاعل هذه لها خصوصيّة كبرى عند جمهور حزب الله تحديداً واعتقاده في شخص السيد حسن قولاً وفعلاً، سواءً أكان على مستوى شخصه أم على مستوى شخصيّته، وعلى القارئ أن يميّز بين المستويين الشخص والشخصيّة.
كلّ الخطاب لم يحمل أي جديد سواءً في الموضوع الحكومي، ام في الموضوع الإسرائيلي، ام في الموضوع السوري ـ الذي اضطر فيه للدفاع عن خطاب الرئيس السوري الذي خرجت التظاهرات ضدّه فور انتهائه منه ـ ام الموضوع الإيراني حتى، «كلّه» سبق إليه القول، إطلالة الأمس كانت شديدة الحساسيّة للسيّد في مواجهة جمهور يعتقد بـ»عصمته» ـ وهذا أمر لم يدّعيه السيّد لنفسه ولا صرّح به ولا رمّزه ولا غمز يوماً من قناته، فهو شديد التواضع عندما يتحدث عن شخصه ـ البعض يُعلنها والبعض يُضمرها، وإن كان التعريف به يتضمّن ديباجة «نسب نبويّة»، ولهذا الاعتقاد كان الخطاب موجهاً بالأمس، لو لم يسبق استخدام «السيّد» لكلمة «الإسرائيليّ» لما اضطر إلى إطلالة الأمس.
لاحظ من تابع كلمة «السيّد» بالأمس أن وجه الرجل كان «معبّق»، وحتى لا نظلمه قد يكون العيب في الإضاءة إلا أنها فعلاً لحظة حسّاسة، و»السيّد» ذهب إلى الأمام كثيراً عندما وضع الاختراق في جيبة الـCIA، قد يكون الأمر صحيحاً، ولكن السؤال هل هناك سفارة في العالم ليس فيها ضباط أمنيين أو مخابراتيين؟!
كلام «السيّد» كبّر الحجر كثيراً في وجه العلاقات الأميركيّة ـ اللبنانيّة، وأخطر ما في هذا الاتهام أنه يدخل في سياق الردّ على كلام الرئيس الأميركي باراك أوباما «إن حزب الله يمارس الاغتيال السياسي، ويسعى إلى فرض إرادته من خلال الصواريخ والسيارات المفخخة»، لم يتأخر كثيراً ردّ حزب الله وجاء على لسان أمينه العام ـ في تهديد ضمني ومباشر لها ـ الأمر الذي يجعلها هدفاً أمنياً مشروع الاستهداف، خصوصاً عندما رفع سقف «المواجهة» بقوله: «السفارة الأميركية في عوكر وكر جاسوسية وتجنيد لصالح إسرائيل وأصبحنا هدفا مباشرا للمخابرات الأميركية ما يضعنا أمام مرحلة جديدة من الصراع الأمني»، بالأمس رفع الأمين العام حدود المواجهة وهذا الأمر يُناقض تخفيفه الشديد من أهميّة الذين تم ضبطهم بتهمة التعامل مع السفارة الأميركية بقوله: «إن هذه الحالات ليست من الحلقة القريبة لي وليست من الصف القيادي ولا رجل دين بينهم ولا مسؤولية حساسة لهم تطاول البنية العسكرية للمقاومة ولا علاقة لهم باغتيال مغنية»، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عمّا كان يفعله هؤلاء ونوع الخدمات التي يقدمونها وهل الـCIA بهذا الغباء وحزب الله بهذا الذكاء؟!
خصوصاً أن «السيّد» أبلغ جمهوره بـ»نصر إلهي مخابراتي جديد» بقوله: «إننا أمام إنجاز امني حقيقي للمقاومة يزيدنا ثقة بقدرتنا لمواجهة الخروقات الأمنية، حتى لو جاءت من أقوى جهاز أمني في العالم».