إن انبرى بعضهم في الأيام الأخيرة على المنابر للشماتة من قوى "14 آذار" ورئيس الحكومة المخلوع عبر الإنقلاب سعد الحريري، فإن هذا البعض حتما قد أغفل حقيقة وصول الواقع السياسي في البلاد إلى ما وصل إليه. فما يسمى اليوم بـ"الأكثريّة الجديدة" لا يعدو كونه "قلّة مسلّحة" تُخْضِعُ أكثريّةً سياسيّة، لذا لا "أكثريّة جديدة" لأن بالأساس لا يشكل هذا الفريق المؤلف لـ"هيئة الإنقلاب التنفيذيّة" (الحكومة) اكثريّة لا في المقياس الشعبي ولا في المقياس التمثيلي أي إنتخابات الـ2009 ولا حتى في المقياس السياسي.
ولأن سبل تشكل هذا الفريق والإتفاقات أو التحالفات التي أبرمت بين أفرقائه يشوبها ما يسمى في اللغة القانونيّة عيب الرضا، فالإكراه هو عيب في الرضا ينص عليه القانون. فإن وافق فريق من بين الفريقين الإثنين المتفقين أو المتحالفين على الإتفاق – التحالف ليس لاقتناعه الكامل به بل بسبب إزعانه ورضوخه لسلاح الفريق الآخر، وإن كان الإتفاق – التحالف بين الفريقين لا يؤمن مصالح سوى الفريق الحامل للسلاح، ألا يظهر الإكراه في ذلك وعيب الرضا؟ ناهيك عن حالتي التغليل مع الغبن والإستغلال التي تشوبان هذه الإتفاقات – التحالفات، فـ"حزب الله" يقوم باستعمال كل من يتحالف معهم من أجل تأمين أغطية متنوّعة لمشروعه الأساس وهو "ولاية الفقيه" ولقضيته الأساس وهي الإبقاء على سلاحه خارج إطار الشرعيّة اللبنانيّة.
ولكن لماذا الكلام عن "عيب الرضا" في هذه الحالة التي لا تتناول العقود المسماة وهذا العيب قانونيا يقتصر على هذا النوع من العقود؟ الجواب يتضح لمن يتابع تغيّر مواقف كل فريق خضع لعقد "تحالف" أو "تفاهم" مع الحزب، فيبان له وبشكل واضح أن "حزب الله" وعبر هذا "التحالف" عمد إلى السيطرة وبشكل كامل على هذه الأحزاب سياسيا، وحتى في بعض الحالات فكريا. حيث أصبحنا نسمع من هؤلاء تعابير لم تكن يوما موجودة في قاموسها السياسي كـ"لي زراع فلان" أو "العمل على لي زراع علتان". ما يحوّل هذه التحالفات – الإتفاقات إلى عقود لبيع المبادئ والمواقف السياسيّة على قاعدة "المبادئ مقابل الأمان".
وإن عدنا إلى خطاب التكليف الذي ألقاه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في قصر بعبدا وتوقفنا عند تبريره قبوله التكليف من باب الحفاظ على السلم الأهلي وتفويت الفرصة أمام الفتنة، نرى أن إعادة تموضع ميقاتي في شق منها سببها سلاح "حزب الله"، إذ إن تفويت الفرصة على الفتنة لا يمكن أن يفهم إلا من باب تحرك عسكري في لبنان لا يمكن لأي فريق سوى الحزب القيام به.
وإن عدنا إلى الثلثاء 11 نيسان و"نزهة" أصحاب "القمصان السود" وتبدل الموقف الذي كان أعلنه مسبقا رئيس "اللقاء الديمقراطي"، الذي ما لبث بعده أن عاد الى مرحلة "جبهة النضال الوطني"، كما تبدل مواقف نواب طرابلس، فلا يمكن أن نقول إن هذه التبدلات أتت من قناعة ما بل تخوف من استعمال السلاح غير الشرعي في لبنان.
وإن عدنا إلى 7 أيار 2008 نرى جليا سبب انتقال زعيم "الحزب التقدمي الإشتراكي" إلى ما يسمى بقوى "8 آذار" أو فعليا فريق "حزب الله" وملحقاته. فقرقعة الرصاص في أزقة بيروت والجبل كانت السبب الأساس لـ"صحوة" جنبلاط "العروبيّة"، التي غيّرة الواقع السياسي اللبناني بشكل جذري ورجّحت كفّة الموازين السياسيّة لناحية "حزب الله". ونسأل أين مصلحة جنبلاط في الإبتعاد عن ما تؤمن به قاعدته الدرزيّة من مبادئ؟ وأين مصلحة جنبلاط في محاربة قوى "الإستكبار العالمي" و"الإمبرياليّة الأمريكيّة"؟
من جهة أخرى، إن عدنا في الزمن إلى 6 شباط 2006 وتوقيع ورقة التفاهم بين زعيم "التيار الوطني الحر" ميشال عون وزعيم "حزب الله" حسن نصر الله لا يمكن ان نغفل المبرّرات التي كان كوادر التيار يستندون إليها في "صالوناتهم السياسة" لتبرير هذا التموضع العوني، وفي مقدمها القول: "إن كان هناك فريق يحمل السلاح ويهددنا فلماذا لا نتحالف مع هذا السلاح، وبذلك نتجنّب المواجهة معه ونتجنب خطورته حتى يأتي الفرج".
وتجدر الإشارة إلى أنه لم يكن يومها في "مصطلحات" التيار السياسية أي وجود لتعابير كـ"تحالف الأقليات"، التي يستعملها اليوم جميع هؤلاء لتبرير تموضعاتهم و"خياراتهم".
بعد كل ما تقدّم نرى أن مكونات هذه الحكومة بأغلبيتها الساحقة رضخت لـ"عجرفة الكلاشينكوف" ومضت في "تحالفات" يشوبها عيب الرضا، لذا هذه الحكومة ليست حكومة "الأكثريّة الجديدة"، إن سلمنا جدلا أنها لبنانيّة 100%، بل إنها حكومة من تأتمر به هذه "الأكثريّة" ويسيطر عليها وهي "قلة مسلّحة" مسمّات "مقاومة".