#adsense

التقسيميون المُقنّعون… هذه المرّة بـ “إلغاء الطائفية”

حجم الخط

كتب طارق حسّون: في خضمّ المنازلة السياسية الكبرى بين محور "8 آذار" ومن خلفه سوريا وإيران من جهة، ومحور "14 آذار" ومن خلفه الرأي العام العربي والمجتمع الدولي من جهةٍ اخرى، خرجت بعض أصوات النشاز لترفع شعار "إلغاء الطائفية السياسية" الذي يُسوّق موسمياً لا لشيء إلاّ لتحقيق بعض النقاط السياسية او للتستّر عمّا هو أخطر ممّا هو مطروح في "السوق" السياسية علانية.

فقد سبق للأحزاب المسيحية ان رفعت هذا الشعار في اوجّ قوتها، وفي خضّم صراع القوميات في خمسينات وستينات القرن الماضي، ولكن سرعان ما تلقفّت أحزاب الحركة الوطنية هذا الشعار المُستقطب إعلامياً، بعدما اشتدّ ساعدها بإنضمام الفصائل الفلسطينية الى حلبة الصراع الداخلية اللبنانية، فتبنّت شعار "إلغاء الطائفية السياسية" اعتباراً من اوائل السبعينات، لا لتطوير النظام اللبناني ورفع الحرمان عن "المحرومين" كما ادعّت حينها، وإنما لكي يتم إستبعاد طائفةٍ بأكملها عن السلطة، او أقلّه لكي يتمكّن المغفور له كمال جنبلاط من تولّي منصب رئاسة الوزراء مداورةً، ومن بعده لكي يتمكّن الرئيس نبيه برّي من "أن يُصبح اول شيعي يتبوأ منصب رئاسة الجمهورية" حسبما ينقل عنه الأستاذ كريم بقرادوني في الصفحة 89 من كتابه "لعنة وطن".

وممّا لا شك فيه ان الفئات التي أعادت طرح هذا الشعار أخيراً، تتوزّع على عدّة فئات رئيسية:

*فئة الخبثاء التي تتلطّى خلف هذا الشعار لتكريس طائفيةٍ مذهبية تُتيح باعتقادها للأكثرية المذهبية العددية القبض على المفاصل الأساسية للسلطة السياسية، مع ما يستتبعه ذلك من تداعيات سياسية خطيرة نستعرضها في سياق المقالة. هذا من جهة، امّا من جهةٍ اُخرى فإن طرح هذا الشعار البرّاق من شأنه تشتيت أنظار اللبنانيين عن القضية الأساس التي تمسّ أمن اللبنانيين وسلامتهم، الا وهي قضية إنتشار السلاح غير الشرعي.

*فئة الدهماء التي تُكوّن قناعاتها السياسية بناءً على موقفٍ او مجموعة مواقف بحدّ ذاتها فتغفل كامل اللوحة او معظمها، وتنساق خلف شعاراتٍ فضفاضة من دون تمتّعها بالحدّ الأدنى من الحدس السياسي الذي يُمكّنها من تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وهذه الفئة تنقاد خلف فئة الخبثاء فتشكّل لها الواجهة المدنية البرّاقة لتحقيق اهدافها المبيّتة.

*فئة القوميين السوريين، بالإضافة الى من يُسمّون انفسهم زوراً بـ "العلمانيين" فيما كل سلوكياتهم تناقض أقوالهم، وفئة المومياءات المُحنّطة التي أكل الدهر عليها وشرب، وهي لا تُشكّل اي قيمة مُضافة تستوجب التوقّف عندها ملياً، او الإستفاضة بتقييم ضررها.

بعيداً عن هذا الشعار الممجوج الذي يهدف عبثاً الى تكريس طائفيةٍ مذهبية بديلة عن الطائفية السياسية، فإن الوقائع التاريخية والمعطيات السياسية، والقواعد القانونية والدستورية جاءت كلها لتؤكد ان الطائفية السياسية لم تولد من عدم وإنما هي الإبن الشرعي والقانوني للطائفية المجتمعية، وبالتالي فإن أي محاولةٍ لإلغاء الطائفية السياسية تستوجب اولاً إلغاء مصدرها اي الطائفية المجتمعية، واستطراداً الغاء البنية المجتمعية اللبنانية المركبةّ، واستبدالها ببنية مجتمعية آحادية تنسجم بدورها مع نظامٍ بهذه المواصفات.

من هنا قد يتساءل بعضهم عن المانع إذاً من إلغاء الطائفية المجتمعية كمقدّمةٍ لإلغاء الطائفية السياسية؟ الإجابة عن هذا التساؤل تستلزم تلقائياً تعريف الطائفية المجتمعية وعرض مرتكزاتها التاريخية والسياسية، وصولاً الى إظهار قاعدتها التأسيسية وعلاقتها التكاملية مع الطائفية السياسية في لبنان.

بدايةً، ظهرت المرتكزات التاريخية للطائفية المجتمعية مع نظام الملل العثماني، الذي منح الطوائف غير الإسلامية إستقلاليةً في إدارة شؤونها الداخلية، وقد إنسحب هذا الأمر تلقائياً على الطوائف المسيحية القاطنةٍ في جبل لبنان التاريخي، وبذلك تم رسمياً تكريس وجود الطوائف الدينية كجماعاتٍ تتمتّع بوضعيةٍ قانونيةٍ خاصة داخل الدولة الإسلامية. من هنا فإن الطائفية المجتمعية ليست سوى البنيات التأسيسية التي يتألف منها مجتمع جبل لبنان التاريخي المكّون حينها من طائفتين اساسيتين الموارنة والدروز، ومن طوائف تاريخية أخرى كالسنّة والشيعة، والروم الأرثوذوكس والكاثوليك الممثلّين جميعهم في مجلس إدارة جبل لبنان كُلٌ بحسب حجمه السكاني.

مع إنشاء دولة لبنان الكبير في ظلّ الإنتداب الفرنسي العام 1920 ودخول الطوائف الإسلامية كعنصر فاعلٍ على التركيبة السكّانية للدولة الناشئة، أعاد صكّ الإنتداب مُضافاً اليه المادتين 9 و10 من الدستور اللبناني الصادر سنة 1926 تكريس الطائفية المجتمعية، وذلك من خلال التأكيد على استقلالية الطوائف في إدارة شؤونها الداخلية و"احترام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية" لمختلف الملل اللبنانية.

كما اصدرت الدولة اللبنانية لاحقاً، المرسوم الإشتراعي رقم 18 تاريخ 13 كانون الثاني 1955، والقانون رقم 72/67 وغيرهما من المراسيم والقوانين المُتعلقّة بتنظيم الطوائف الإسلامية، بحيث جاءت كلها لتؤكد إعتراف الدولة اللبنانية بالشخصية المستقلّة لمجمل الطوائف التي يتكوّن منها النسيج الإجتماعي اللبناني.

عارض المسلمون فكرة قيام دولة لبنان الكبير على إعتبارها تُشكّل إنقطاعاً لهم عن سياقهم التاريخي المتجّه صوب الوحدة العربية الشاملة، بحيث امتنعوا عن المشاركة في السلطة السياسية وفي صياغة الدستور، فيما بدت الحياة السياسية والدستورية في لبنان ذاهبة باتجاه إستئثار المسيحيين بالسلطة مستندين الى ميزان قوى إقليمي مائل لمصلحتهم بوجود حلفائهم الفرنسيين، ومواد دستورية كرسّت رئيس الجمهورية ديكتاتوراً دستورياً.

وبالتالي لم يكن إنشاء الدولة اللبنانية مبنياً على عقدٍ إجتماعي ثنائي مسيحي إسلامي، وإنما جاء تكريساً لإنتصار وجهة النظر المسيحية على الوجهة الإسلامية، وهو ما أبقى الدولة اللبنانية حتى العام 1943 عرجاء وعاجزة عن التحليق بجناحيها ممّا شكّل لها على الدوام مصدر تهديدٍ وجودي ينبع اساساً من إختلالها البنيوي وإفتقارها للعقد الإجتماعي التأسيسي.

مع إنتهاء الإنتداب الفرنسي في العام 1943، تولدّ شعور وطني مشترك بين المسيحيين والمسلمين استغلّه المسيحيون لإعادة تركيز اُسس الدولة اللبنانية، وإنما هذه المرّة فوق بنيانٍ سياسي ودستوري متين، ووفق تكامل جدلي يفترض اولاً قيام عقدٍ إجتماعي يُمهّد لمصالحة المسلمين مع النظام بما يُتيح للدولة اللبنانية السير بشكلٍ متوازٍ.

من هنا جاءت فكرة الميثاق الوطني الذي هو بمثابة عقدٍ إجتماعي، انخرط بموجبه المسلمون في الدولة اللبنانية من خلال التمثيل المتساوي في السلطة السياسية والمشاركة الفعّالة في القرار مع إمتلاكهم حق النقض، فيما تخلّى المسيحيون ممثلين برئيس الجمهورية عن نصف صلاحياتهم عرفياً، فانتقل الصراع حينها من صراع حول مبدأ وجود الكيان اللبناني الى صراعٍ حول توزيع السلطة داخل الكيان، فأصبحت عندها قاعدة المشاركة بالقرارات السياسية تتم بالتوافق المجتمعي بين المسيحيين والمسلمين ضمن ضوابط مُعينّة للعبة السياسية اللبنانية تحددّت بالممارسات والأعراف والقوانين وموازين القوى الداخلية، الإقليمية والدولية.

وعليه، فإن الطائفية المجتمعية هي قاعدة مشاركة الطوائف اللبنانية في النظام، وتُشكّل بالتالي البنيات التأسيسية التي صاغت العقد الإجتماعي المكوّن للدولة اللبنانية في العام 1943 ومنها إنبثقت الطائفية السياسية التي تعني بدورها عملية توزيع السلطة بين تلك البنيات التأسيسية.

إنطلاقاً من ذلك كلّه يتبيّن ان الطائفية السياسية ليست السبب ولا هي إشكالية قائمة بحدّ ذاتها، بل على العكس من ذلك، هي النتيجة الطبيعية للطائفية المجتمعية، وبالتالي فإن إلغاء الطائفية السياسية يستوجب إلغاء الطائفية المجتمعية التي تستوجب بدورها إلغاء العقد الإجتماعي التأسيسي للدولة اللبنانية وقاعدة التمثيل المجتمعي في السلطة… أي بمعنى آخر العودة بلبنان الى الوراء عوض التقدّم الى الأمام، وبالتحديد الى الفترة الممتدة ما بين 1920 و1943 حيث طائفة بأكملها غابئة، وحيث لا عقد إجتماعيا ولا قاعدة مشاركة مجتمعية في السلطة والقرار، وحيث دولة مهددة بالتفكك والزوال، وتعيش على التنفس الإصطناعي التي تؤمنه لها الوصاية الخارجية… عودٌ على بدء…

مهما يكن من أمر، فإن واقع الطائفية السياسية في لبنان وارتباطها العضوي بشكل الدولة اللبنانية المركبّ من 18 هوية مجتمعية، يُظهر بوضوح ان المطالبين بإلغاء الطائفية السياسية، سواء كان ذلك ينم عن جهلٍ او عن سوء نيّة، هم التقسيميون المُقنّعون والإلغائيون الحقيقيون، لأنهم يُساهمون من خلال شعاراتهم، بإلغاء الميثاق الوطني اللبناني عبر إقصاء طائفةٍ مجتمعية بأكملها من السلطة، مع ما يستتبعه ذلك من لااستقرار يؤدي الى تعطيل الدولة ومؤسساتها وصولاً الى تفككها…وبالمناسبة، الا يُذكركم هذا السيناريو بجوهر المنازلة الكبرى بين 8 و14 آذار التي اشرنا اليها بدايةً ؟!!!

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل