تزدحم في عقل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مجموعة من الملفات الإقليمية، فارضة نفسها على البيان الوزاري، لتطرح من جديد تعديلات على سلّم الأولويات الأمر الذي يعني تجدد الاشتباك المضمر بين الفريق الوسطي المؤلف من الرئيسين ميشال سليمان وميقاتي والنائب وليد جنبلاط، وفريق الصقور المتمثل بتحالف "حزب الله" – ميشال عون.
فإقليمياً، يطرح "حزب الله" إدخال بند يتعلق بالعلاقات المميّزة مع سوريا والدعوة لتطبيق الاتفاقيات المنبثقة عن معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق، كما يقدمه النائب محمد رعد، فضلاً عن الرسالة الاسرائيلية التي حملت ما يشبه الانذار إلى لبنان، فيما لو تدهور الوضع الميداني، وهو ما فسره المراقبون بأنه ضغط مع إقرار بند الثالوث المقدس: الشعب والمقاومة والجيش.
أما أمنياً، فمصادر المعلومات القريبة من "حزب الله" تتحدث لصحيفة "اللواء" عن متابعة جدية لما كشفه الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله من تورط عناصر بتزويد المخابرات الاميركية بمعلومات عن أنشطة غير معروفة للحزب، وما يجري من لقاءات مع أمينه العام.
ومن المؤكد أن مثل هذا التطور فرض نفسه على الاجواء المحيطة بالبيان الوزاري، وسط مطالبة قوى الأكثرية بوضع الدولة يدها على هذا الملف، والميل غير المحسوم بعد لدى الحزب للمطالبة باستدعاء السفيرة الاميركية مورا كونيللي وتقديم احتجاج رسمي على هذا التدخل السافر للشؤون اللبنانية، معتبراً ذلك "انتهاكاً لسيادة لبنان وخرقاً لأمنه من باب المقاومة المعترف بشرعيتها في البيان الوزاري".
وتحفظت مصادر المعلومات إياها عما إذا كان الحزب في وارد تسيير تظاهرات احتجاجية إلى عوكر للمطالبة بطرد السفيرة أو الديبلوماسيين الأميركيين الذين ستكشفهم تحقيقات الحزب إذا كشف النقاب عن ذلك في وقت قريب.
لكن مصدراً نيابياً على اطلاع يستبعد أن يرهق الحزب لجنة البيان الوزاري بأية مطالب، أو الذهاب بأي خطوات قبل الانتهاء من نيل حكومة الرئيس ميقاتي ثقة المجلس النيابي.
وذكرت مصادر وزارية لـ"اللواء" أن الجلسة الخامسة للجنة البيان اليوم لن تتطرق إلى بند المحكمة إذا لم تكن الفقرة الخاصة بها منجزة، وهو ما أكدته هذه المصادر بأن أي تفاهم لم يتم بعد على صياغة هذه الفقرة بين المعنيين، والمقصود هنا الرئيس ميقاتي وحزب الله.
وفي هذا السياق، كشف مصدر سياسي مطلع أن الاتصالات المكثفة التي جرت أمس بين حزب الله والرئيس ميقاتي لم تنجح في كسر الجمود المتعلق بالبند حول المحكمة الخاصة بلبنان في البيان الوزاري، موضحاً أن ميقاتي تسلم من حزب الله أمس صيغة عامة حول المحكمة "لا تنسجم مع الوضوح الذي يريده ميقاتي في البيان حول هذه النقطة، إذ أنه سمع كلاما حاسما من عدد من الديبلوماسيين أبرزهم ممثل الامين العام للأمم المتحدة في لبنان مايكل وليامز حول الاهمية التي يوليها المجتمع الدولي لتمسك لبنان الواضح بالقرار 1757 الذي أنشأت المحكمة بموجبه".
ورجح المصدر في ضوء الموقف المعلن لميقاتي أن تحتاج لجنة صياغة البيان الى المزيد من اللقاءات ريثما تنضج التسوية التي يعمل عليها في الكواليس.
وحول ما إذا كان لبنان قد تسلم نسخة من القرار الإتهامي في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري، نفى المصدر علمه بأن يكون لبنان قد حصل على هذا الامر، مؤكدا أن "أياً من القوى السياسية اللبنانية على الاقل لم يوضع في مثل هذه الاجواء". في حين ألمح الرئيس أمين الجميّل العائد من باريس وبروكسل، بأن هناك ايحاءات بصدور القرار الاتهامي في أسرع وقت.
وحتى الآن، يبدو واضحاً أن الرئيس ميقاتي يحاذر بالسماح للجنة بمقاربة فقرة المحكمة في البيان، لحين انتهاء النقاش في شأنها خارج كواليس اللجنة، لتجنيب هذه اللجنة الوقوع في فخ الخلاف حولها، ويتعمد إبقاء هذه الفقرة، لحين الانتهاء من صوغ كامل مسودة البيان، لكنه في النهاية سيجد نفسه مضطراً لطرحها في حال لم تؤد المناقشات الجارية بالتوازي مع مناقشات اللجنة، إلى اتفاق على صيغة فقرة المحكمة.
وبمعنى آخر، فان أمام اللجنة الوزارية، جلستين أو ثلاثة هذا الأسبوع للانتهاء من صياغة البيان، على اعتبار أن الرئيس سليمان سيسافر الجمعة إلى موناكو في زيارة تستمر ثلاثة أيام لحضور زفاف اميرها البير، وهذا يعني أن مجلس الوزراء سيكون مضطراً إلى تأخير جلسة إقرار البيان الوزاري، إلى الأسبوع المقبل، ومعه أيضاً جلسات الثقة، فضلاً عن أن يوم الأربعاء هو يوم عطلة لمناسبة ذكرى الاسراء والمعراج.
وكانت معلومات مصادر وزارية قد كشفت بأن ثلاثة مشاريع صيغ لفقرة المحكمة في البيان قد سقطت بسبب رفض فريق حزب الله – عون لها، حيث اقترحت الأولى إبقاء الصيغة نفسها الواردة في بيان حكومة الرئيس سعد الحريري، فيما قضت الصيغة الثانية باعتماد الفقرة 13 الخاصة في المحكمة من البيان نفسه، على ان تضاف إليها عبارة "والحفاظ على الاستقرار والسلم الاهلي ومصلحة لبنان العليا"، فيما نصت الصيغة الثالثة على الآتي: "إن لبنان يلتزم المواثيق الدولية واحترام قرارات الشرعية الدولية والتأكيد على معرفة الحقيقة في حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري"، على ان يحال أي خلاف سياسي في شأن المحكمة الى هيئة الحوار الوطني، وهو ما كان اشار إليه الرئيس ميقاتي في حديثه إلى قناة "العربية".
وفهم أن الرئيس ميقاتي تلقى نصيحة من جهة مؤثرة بأن تكون صيغة فقرة المحكمة مبهمة وغير واضحة، على أن يجري إنجاز البيان بأقصى سرعة، الامر الذي لا يتفق مع ما يسعى إليه رئيس الحكومة باعتماد فقرة تجنبه احراجاً لدى المجتمع الدولي، ولدى طائفته التي تعتبر نفسها مستهدفة باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وبحسب معلومات المعارضة، فإن الاجتماعات التي عقدها الرئيس ميقاتي مع كل من الرئيسين سليمان ونبيه بري ازالت الكثير من العقبات، غير ان موقف نصر الله الذي اشار في كلمته يوم الجمعة الى "اننا خرجنا من المحكمة ولا علاقة لنا بها" بدد الايجابيات الامر الذي حمل وزيرا في الحكومة على توقع اتخاذ بند المحكمة منحى خلافياً تصاعدياً.
وفي هذا المجال، قالت مصادر في المعارضة ان مواقف نصر الله، وان كان قد اكد استعداده لتسهيل ولادة البيان، نسفت كل الجهود والمساعي التي كادت تلامس التوافق على صيغة مقبولة لبند المحكمة، مشيرة الى ازدواجية في منطقه، وهو الذي كان ابى في السنة الماضية الحديث عن خرق في صفوفه، ولا سيما ابان مرحلة التفاوض في شأن احتمال ايجاد مخرج لائق للحزب اذا ما وجهت التهم الى بعض افراده في الضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فيما هو اليوم يؤكد الخرق، متسائلة عن سبب عدم تسليم العملاء الثلاثة، اذا ما صح عددهم، الى الدولة اللبنانية لتتولى التحقيق معهم، وسألت عن تخصيص نصر الله اطلالة تلفزيونية لتناول هذا الملف، اذا لم يكن العملاء على هذا القدر من الأهمية، ولماذا لم يكتف حزب الله ببيان توضيحي يفند الموضوع طالما ان هؤلاء هامشيون، مشيرة الى ان اطلالة نصر الله كافية لتأكيد ان وراء الاكمة ما وراءها وان ثمة الكثير مما يتوجب قوله لم يقل.