كتبت صحيفة "النهار": أثار اقتراح نزع السلاح من مدينة طرابلس عقب الاشتباكات الدامية التي شهدتها في نهاية الاسبوع الاوّل من ولادة الحكومة الجديدة انطباعات متباينة بدت بمثابة انعكاس طبيعي للانقسام الذي تشهده البلاد. حتى ان الشكوك في امكان ان يشق هذا الاقتراح طريقه الى حيّز التنفيذ بدت اكبر بكثير من الاحتمالات الواقعية لتطبيقه نظراً الى عوامل كثيرة معروفة لا مجال لسردها.
غير ان تطوراً برز في هذا الملف في الايام الاخيرة بدأ يثير اهتمامات جدية بالاقتراح ان لم يكن لجهة الفرص السريعة المتاحة لتنفيذه فعلى الاقل لجهة الدلالات السياسية التي اكتسبتها بعض المواقف المؤثّرة منه. ويتمثل هذا التطوّر في التوافق الواضح الضمني والعلني بين قوى 14 آذار صاحبة الاقتراح غداة حوادث طرابلس ورئيس الحكومة ابن طرابلس نجيب ميقاتي حول جعل المدينة منزوعة السلاح. واتخذ هذا التوافق او التقاطع المبدئي في الموقف دلالته الابرز في اللقاء الذي جمع ميقاتي ونواباً طرابلسيين من قوى 14 آذار السبت الماضي في اطار الزيارتين اللتين قام بهما الوفد النيابي لرئيس الجمهورية والحكومة.
وفي هذا السياق تقول مصادر سياسية مواكبة لهذا الملف انه قد يكون مبكراً الحكم على الوجهة التي سيسلكها هذا الاقتراح او الدفع نحو بلورته عملياً في انتظار نيل الحكومة الثقة ومباشرتها مهماتها وعقد جلسات مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات التنفيذية. لكن ذلك لا يقلل اهمية المغزى الذي نتج عن توافق رئيس الحكومة والمعارضة اقله في ملف يعني الجانبين مباشرة وانطلاقاً من مسألة امنية تصنّف حالياً بأنها احدى الاولويات الرئيسية والملحة. ذلك ان الرسالة الواضحة التي يمكن بلورتها وابرازها من هذا التطوّر هو ان مسألة السلاح داخل المدن ولا سيما في طرابلس باتت تشكل خطراً أكبر من ان يحتمل تبعته اي فريق على مشارف استحقاقات كبيرة يقبل عليها لبنان.
ولعل ابرز ما تلفت اليه المصادر هو ان هناك معطيات تتحدث عن موجة تسلّح في بعض المناطق ومن ابرزها الشمال وطرابلس وهو امر يدركه تماماً سائر المعنيين بهذا الوضع. واذا كان من نتائج معنوية وسياسية غير مباشرة للحديث عن جعل طرابلس مدينة منزوعة السلاح فهو انه قد يشكل رادعاً اساسياً للحد من هذه الموجة ورفع شعار معاكس لها من شأنه ان يدفع المواطنين الى عدم الانجرار في هذه الموجة واضفاء انطباع مخالف لكل من يسعى من الداخل او الخارج الى توظيف الساحة اللبنانية في حسابات او مشاريع لاستدراج الازمة السورية ومضاعفاتها الى الساحة اللبنانية. ولكن المصادر نفسها لا تغفل في هذا الاطار وجود عقبات ظاهرة ومستترة تحول دون توقّع نتائج ايجابية فورية على الاقل لهذا الاقتراح ولو اقترن بارادات ايجابية لجهات فاعلة في السلطة الجديدة والمعارضة الجديدة. فليس خافياً في هذا الاطار وجود "نقزة" كبيرة لدى فريق 8 آذار حيال هذا الاقتراح خشية ان يشكل بقعة زيت يمكن ان يتسبب اتساعها وتمددها لاحقاً باعطاء زخم قوي لحملة قوى المعارضة على سلاح "حزب الله" كلاً. وهو أمر قد يعرّض رئيس الحكومة تحديداً لضغوط لحمله على عدم مجاراة الاقتراح علماً ان بعض الاصوات المعارضة في الشمال لم تخف الدفع نحو هذا الهدف البعيد المدى.
وفي ضوء ذلك تعتقد المصادر نفسها ان فرص نجاح الاقتراح تتوقف على عاملين اساسيين يحتاجان الى بعض الوقت لبلورتهما. فمن جهة ثمة مستوى معقول تحقق حتى الآن في ضبط الوضع في طرابلس ويفترض ان يجري تحصينه بمزيد من الخطوات الجذرية التي لا تتسم بطابع ظرفي. وهذا الامر يقتضي دفعاً من المراجع الرسمية وفي مقدمها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من اجل انجاح اقتراح نزع السلاح، علماً انه يمكنهما الدفع في هذا الاتجاه انطلاقاً من اتفاق الطائف نفسه ومن دون ان يشكل ذلك احراجاً لهما مع "حزب الله" ما دام موضوع سلاح المقاومة مثبتاً في البيان الوزاري كضمان دائم له.
ومن جهة اخرى ثمة صدقية كبيرة وفرها الاقتراح لقوى 14 آذار لكن وضعه موضع التنفيذ سيملي عليها حصره في الاطار الموضعي اي طرابلس حالياً لئلا تفقد فرصة محتملة لنجاح الاقتراح اذا ذهبت بعيداً في تصويره كبداية اختراق عملية لحملتها على سلاح "حزب الله" والتسبب باستنفاره وممارسته الضغوط على المراجع الرسمية لمنع اي خطوة عملية في هذا الملف.
والواقع ان المصادر المواكبة لهذا الملف تنبه الى بعد اساسي آخر متحكم بخلفية المواقف المعلنة من الاقتراح وهو البعد المتصل بانعكاسات الازمة السورية على لبنان والمرشحة لان تشهد مزيداً من الحماوة تبعاً لتطورات هذه الازمة. وتلفت في هذا السياق الى ان الايام الاخيرة شهدت عودة ملحوظة لحالة النزوح من سوريا الى الشمال اللبناني، الامر الذي يرتب استحقاقات جديدة على الحكومة وسط مناخ سياسي واعلامي يتسم بحماوة متصاعدة بين مؤيدي النظام السوري ومؤيدي معارضيه. وترى المصادر ان ثمة مهلة قد تكون محدودة لانجاح فرص هذا الاقتراح وجعله يشق طريقه الى اطار عملي، وهو اقتراح بالغ الاهمية يقتضي تحييده عن سائر الحسابات الضيقة خصوصاً في ضوء واقع مأسوي تعيشه "مناطق التماس" في طرابلس منذ الثمانينات حولها الى بؤرة دائمة للتوتير الامني وبالاضافة الى كونها احدى اكثر المناطق فقراً وحرماناً، وكلها عوامل تشكل تربة خصبة للتفجيرات المتعددة الوجه والقابلة لاي توظيف من اي جهة.