لبنان والمحكمة في ميزان الشرعية العربية والدولية..!

في الأساس، المحكمة كانت هي المسألة!
المسائل الأخرى قابلة للنقاش، وهي موضع <أخذ وردّ>، بما فيها ملف السلاح، الذي لم يكن حجر عثرة في عقد تحالفات، ولا عائق أمام تجاوز أزمات، ولم يشكّل عقدة تحول دون تشكيل حكومات·· <الوحدة الوطنية>!

وإذا كان بند <شهود الزور> الفتيل الذي فجّر <حكومة الوحدة> الأخيرة، فإن الموقف الحكومي من المحكمة الدولية الناظرة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قد يكون هو اللغم الذي يفجّر حكومة الأكثرية الجديدة، التي تتباين مواقف أطرافها من التزام الدولة اللبنانية بتعهداتها واتفاقاتها مع هذه المحكمة·

* * *

لم يعد سراً أن ثمّة تباعداً في مواقف الأطراف الحكومية من مسألة التعامل مع المحكمة، بل وفي صياغة الموقف المبدئي من هذه المسألة في البيان الوزاري، لدرجة أن تأخّر إنجاز البيان نهاية الأسبوع الماضي، كما كان يسعى الرئيس نبيه بري، سببه الخلاف على نص الفقرة المتعلّقة بالعلاقة مع المحكمة الدولية! الأمر الذي من شأنه أن يؤخّر إنجاز البيان أسبوعاً آخر، أو أكثر، في حال عدم التوصّل إلى صيغة لا تُغضب نصف اللبنانيين على الأقل، ولا تستنفر العقوبات الدولية ضد الوطن الصغير، وتُرضي في الوقت نفسه الطرف الأقوى في الحكومة، حزب الله، الذي يرفض مع حليفه التيار العوني، العلاقة مع المحكمة، ويُطالب بفك ارتباط لبنان معها، ووقف سداد الحصة اللبنانية في ميزانيتها، وصولاً إلى اعتبار القرار الدولي 1757، الذي نصّ على إنشاء المحكمة، وكأنه لم يكن··!!

قد يكون من حق حزب الله وحلفائه المطالبة بالخروج من التزامات لبنان تجاه المحكمة الدولية··

ولكن هل يستطيع الوطن المُعذَّب أن يتحمّل تبعات مثل هذه الخطوة التي لا تحظى بإجماع اللبنانيين، بل على العكس، ستزيد أجواء الانقسام والتوتّر بين مكوّنات المجتمع اللبناني··؟

هل بمقدور حكومة 8 آذار أن تواجه تداعيات الخروج على الشرعية الدولية، والدخول بمواجهة سافرة مع المجتمع الدولي، مع كل ما تحمله مثل هذه المواجهة من عقوبات وضغوطات وحصار للوطن الصغير؟

* * *

يُدرك الرئيس نجيب ميقاتي، قبل التكليف وقبل التأليف، المخاطر التي تحيق بالوضع اللبناني، في حال الإقدام على <مغامرة> التنكّر لالتزامات لبنان تجاه قرارات مجلس الأمن، وخاصة القرارين 1701 و1757، الذي كان الجانب اللبناني يطالب باستعجال إصدارهما عن أعلى سلطة دولية، سعياً للحفاظ على أمنه وسيادته من الاعتداءات الاسرائيلية، لا سيّما بعد حرب تموز 2006 المُدمِّرة، والتي صدر على إثرها القرار 1701، وحرصاً على كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وردع عمليات التفجير والاغتيالات التي أعقبتها، وأدّت إلى سقوط نُخبة من أهل السياسة والرأي في حركة 14 آذار الإستقلالية·

ويُجاري سيّد المختارة وليد جنبلاط رئيس الحكومة في استشعار مخاطر هذه المغامرة، وقبلهما طبعاً الرئيس ميشال سليمان، الذي أكّد في خطاب القَسَم الالتزام بالقرارات الدولية، وبكشف الحقيقة في الجريمة التي زلزلت الوضع اللبناني، مما يعني، بشكل أو بآخر، الحاجة إلى مزيد من المشاورات، ومزيد من الوقت قبل إنجاز البيان الوزاري في صيغته النهائية·

فهل يكون تأخير البيان الوزاري هو المخرج الأنسب، مؤقتاً من العقدة الأولى التي تعترض الفريق الحكومي الحالي؟

* * *

قد تكون من مصلحة الحكومة الميقاتية البقاء في موقع <تصريف الأعمال>، وتأخير البيان الوزاري إلى ما بعد صدور القرار الإتهامي حتى تبني على الشيء مقتضاه، خاصة وأن ثمّة معلومات ترجّح صدور القرار بين يوم وآخر، وعندها يسهل وضع النقاط فوق حروفها الصحيحة، بعيداً عن لغة التأويل والتهويل·

ولكن سواء أنجز البيان الوزاري قبل القرار الإتهامي، أم بعده، فإن الموقف اللبناني من القرارات الدولية سيبقى في ميزان الشرعية الدولية، التي يبدو، من خلال مواقف عواصم القرار، انها لن تتساهل في الرد على أي تراجع لبناني عن التعهدات الحالية·

ويبدو ان بعض المراجع اللبنانية احيطت علماً بالتداعيات السلبية الخطيرة على الوضع اللبناني، في حال الاقدام على أية خطوة تعني تنصل لبنان من إلتزاماته الحالية، مثل فرض اجراءات وعقوبات اقتصادية ومالية، فضلاً عن تجميد اتفاقيات الدعم والمساعدات، الى جانب التلويح باستهداف القطاع المصرفي·

* * *

والمراجع اللبنانية المعنية أصبحت مدركة اليوم، واكثر من اي وقت مضى، ان عواصم القرار العربية تنتظر أيضاً موقف الحكومة الجديدة من المحكمة الدولية، وقضايا اخرى ذات صلة بالوضع اللبناني وتوازناته الدقيقة، حتى تقرر الموقف الواجب اتخاذه من لبنان في عهد هذه الحكومة، التي لم تقابل بارتياح، ولا بترحيب من جانب العواصم العربية المعنية بالوضع اللبناني عادة، وخاصة العواصم الخليجية·

وهذا يعني بكل بساطة ان لبنان سيواجه عقوبات وحصاراً، بل وعزلة عربية ودولية، في حال تعامل بمثل هذه الخفّة التي توحي بها بعض اطراف 8 آذار في ملف المحكمة الدولية·

ولا نخال إن احالة هذه المسألة المعقّدة والشائكة، محلياً وعربياً ودولياً، الى هيئة الحوار الوطني تشكل حلاً مقبولاً من الاطراف العربية والدولية، ولا حتى اللبنانية، لان طاولة الحوار مشلولة منذ فترة، وفقدت زخمها في الجلسات الاخيرة بسبب عدم جدية التعاطي مع ملف السلاح من قِبل حزب الله والتيار العوني، الذي استغل رئيسه الخلاف المستحكم حول ملف شهود الزور ليعلن مقاطعة جلسات الحوار من قبل قوى 8 آذار·

فمن قال إن الاكثرية الساحقة من اللبنانيين ما زالت تعتبر ان طاولة الحوار الوطني ما زالت قائمة؟!

* * *

بقيت كلمة··

لم يعد ثمّة خوف على الاستقرار في حال وجه قرار المحكمة تهمة التورط في جريمة الاغتيال الى عناصر محسوبة على حزب الله، فالإنجاز الإستخباراتي الذي حققه أمن الحزب ضد المخابرات الاميركية المركزية وجهاز الموساد، من خلال كشف عناصر الحزب المتعاملة مع هذين الجهازين، يؤكد امكانية اختراق البيئة التنظيمية للحزب من قبل أجهزة مخابرات خارجية·· وقد يكون هذا هو واقع العناصر الذي كثر الكلام عن احتمال تورطها في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري·

ما يجري حولنا من احداث وتطورات مشاهد مليئة بالدروس والعبر التي سبق ودفعنا ثمنها غالياً في هذا الوطن المعذب·

فهل من الجائز ان ندفع الأثمان الباهظة من أمننا واستقرار بلدنا من جديد؟

المصدر:
اللواء

خبر عاجل