حاول السيّد حسن نصرالله التبرّؤ من وصف الحكومة الجديدة بأنّها حكومة " حزب الله "، فوقع، من حيث لا يدري، في فخّين: حكومة ومحكمة.
لقد أثبت أنّه القائد والموجّه لحكومة ميقاتي. هو الذي في الأساس أسقط التي قبلها، وركّب أكثريّتها، ووزّع حصصها، ووضع مقاديرها، ونوّع أسماءها، وقال لها ما قاله هارون الرشيد للغيمة المتحرّكة: اذهبي حيث تشائين، فستُمطرين في خراجي!
فمن هو ذاك المغوار الذي سيقول لا لما يريده نصرالله وما تفرضه وطأة سلاحه، ومن هو ذاك الانتحاري الذي يتمرّد على سطوة فجر " القمصان السود " التي جاءت به رئيسا أو وزيرا؟
قد يتوهّم أحدهم أنّه ناور ونجح في وضع هذه الصيغة أو تلك في مسألة المحكمة أو أيّ قرار دولي، لكنّ الكلمة الأُولى والأقوى قالها نصرالله نفسه: المحكمة لا تعنينا، انتهينا منها منذ زمن!
اذا، اكتبوا ما شئتم في البيان الوزاري، وحاولوا، في لعبة الكلام، المناورة والمداورة كي تتفادوا غضب " ما يُسمّى " المجتمع الدولي. نعم " ما يُسمّى "، في لغة السيّد الذي وزّع الأسلحة على جنوده، واكتفى، هو المسكين، بحقيبة واحدة ووزير دولة فقط لا غير، ومان على توأمه نبيه برّي بتوزير الشيعي السادس سُنّيا، فلماذا تضيق أعينكم بهذا الزهد، وتسمّونها حكومة " حزب الله " وبشّار الأسد، وبشّار ليس له فيها وزير واحد من البعث؟!
في الواقع، حاول نصرالله أن يكحّل حكومة ميقاتي فأعماها، على طريقة من سبقه في القول انّه لا يريد شيئا لنفسه، فلم يترك شيئا الاّ لنفسه.
لكنّ قائد دولة " حزب الله " ومجتمعه، لم يكتف بتأكيد قيادته للحكومة، بل عزّز دولته بمحكمة خاصّة لا علاقة لها لا بالمحكمة الدوليّة ولا بالمحاكم الرسميّة اللبنانيّة. انّها محكمة الضاحية، تراقب، تلاحق، تعتقل، تحقّق، تدين، تعاقب.. ولا يحقّ لأحد السؤال أو التدخّل.
بكلّ فوقيّة وتفرّد، أعلن نصرالله محاكمة ثلاثة " جواسيس " من صفوفه، وهم لبنانيّون اتّهمهم بالعمالة للمخابرات الأميركيّة، (المخابرات الاسرائيليّة عاجزة، وهناك " حرب كونيّة " ضدّه، على غرار غرور شريكه في الانتخابات)، ولم يرفّ له جفن في الادانة والمحاكمة، وكأنّ لا دولة ولا قضاء ولا قانون في لبنان، فحتّى حكومته لا يأمن لها، ولم ينتبه لارباك وزير عدله الجديد الذي تخبّط في اجراء الاتصالات للملمة معلومة أو خبر، كزوج مخدوع في الليلة الظلماء.
لم يكلّف السيّد حسن نفسه اطلاع اللبنانيّين على طريقة التحقيق والادانة واجراءات المحاكمة، وهل من حقّ المتّهمين توكيل محامين، وأمام أيّ محكمة سيُحاكمون. طمأننا فقط الى أنّه لم يعدمهم (بعد)، وأنّ " الآخرين " كانوا أعدموهم وقالوا انّهم سقطوا شهداء وعلّقوا صورهم على الجدران. تُرى من هم هؤلاء " الآخرون "، هل أعدمت " 14 آذار " شهداءها، وخبّأتهم، وحين شيّعتهم قالت انّهم سقطوا في حوادث سير أو رحلة صيد؟ أليس أسلوب الاعدام سرّا وادّعاء " الاستشهاد " جهرا هو حكر على الأنظمة المغلقة والتنظيمات العسكريّة الخاصّة؟ ألم يكن " حزب الله " نفسه يشيّع كلّ أسبوع قتيلا، في مراحل هادئة، ويُعلن أنّه سقط في " ساحة الجهاد " أو لدى قيامه بواجب " المقاومة ". فمن يدري أين وكيف ولماذا؟ وأين هي حدود العمالة والشهادة؟
ثمّ اذا لم يكن الجواسيس الثلاثة في مواقع مهمّة: ليسوا من الحلقة المقرّبة للقائد، ولا علاقة لهم بالتحقيق الدولي، ولا باغتيال مغنيّة، ولا يؤثّرون في مسار " المقاومة "، ولا يملكون معلومات مهمّة، فلماذا كلّ هذا الانشغال بهم، وتخصيص السيّد وقتا " ذهبيا " لهم، وتطمينه أهلهم بعدم الانتقام؟
لعلّ مسألتهم ليست سوى رأس جبل الجليد، وما ظهر من مأزق " حزب الله " وما خفي، بين تأزّم علاقته ببيئته، وتأزّم مرجعيّتيه في دمشق وطهران.
و" سحر" قائده لم يعد يكفي لتمويه الضعف والتستّر على الخلل. فالخلل أصاب الكاريزما أيضا.
وهذا ما يفسّر لهفته وانكبابه على تجميع أوراقه الأخيرة: حكومة من صلبه مهما تبرّأ من أبوّتها، ومحكمة خاصّة مقفلة على الدولة ولو كانت " دولته "، ومقامرة مكشوفة مع النظام السوري المأزوم، ورهان على " انتصارات " افتراضيّة من قماشة " الانتصار " على الجواسيس، وعلى المحكمة الدوليّة، وعلى " ثورة الأرز "، وعلى ربيع العرب.. والعالم.
شاء نصرالله التخفّف من عبء حكومته، فزاد عبئا على أعبائه.
هو الآن ينؤ تحت ثلاثة أثقال: حكومة ومحكمتين.