عيون العذراء قد تكون دمعت، حين انهال الصوت الملائكي. هي ليست أمسية غنائية، هي لحظات واسعة نادرة، اعلن فيها أكثر من انتصار. ماجدة الرومي احتلّت ملعب جونيه بالمساحة، واجتاحت مساحات الوطن، بالصوت وقامة الكرامة الممشوقة، فكان الانتصار الاول.
لبسها الابيض والشعر الاسود المسدول، وباحت بانها ما رح تزعل ع شي، ما رح تبكي ع شي، ما رح تندم ع شي، لكنها ومن دون أن تدري، عممت فعل الندم، ليس بين حضور تجاوز الخمسة الاف قلب، وعشرة الاف دمعة تفاوتت بين الشجن والفرح، انما الندم على وطن لا يعرف الندم، على ما يقترفه بحقّنا من حبّ غير متبادَل. هذه امرأة تجعلك تسأل كيف يمكن لوطن يسكنه كل هذا الجمال، أن يقوى على مساكنة كل ذاك الشرّ أيضا. وهي تحلم بلبنان هدايا بالعِلّب، تستفيق من هوْل الاسئلة، تتذكّر أيضا ان لبنان الذي راجع يتعمّر، هو أمانة بأوتار الصوت المسكون بحبّ العذراء وبحبّ هذه الارض.
كانت ليلة مجنونة. جُن الحبّ العالق في الاعتزال حينا، وفي الخيبات مرارا، وفي القلب الذي يرفض أن يعبّي حدن مطرحك بقلبي. وجُنّ أيضا حبّ من غير نوع، حبّ يجعل القلب يرتجف فرحا ويدمع سعادة ويغرورق زعلا، على وطن أكثر ما يمكن أن يفعله بمحبّيه، أن يمنحهم من وقت لاخر وساما. نالت السيدة وساما من رئيس البلاد. لا يُعلّق وسام الارز على صدر ماجدة، هي وسام على جبين هذا الوطن وفوق كل أرزة فيه.
الى الصفوف الامامية جلس بانسجام كبير رجال السياسة. دخل ميشال عون… وخرج كما دخل، أكثر تجهّما، ليعلن مباشرة بعد سماع الصوت الهادر بالحب، ليعلن بعد ليس اكثر من ساعة في عشاء خاص، كل الحقد على فريق المعارضة. دخل سمير جعجع فجأة. لم يعرف به أحد. غنّى صفّق تفاعل مع كرامة الصوت، ثم صعد الى المسرح ورقص دبكة لبنان. جمعت الماجدة كل الاضداد الى صف واحد، انحازوا للصوت، واختلفت نسبة التفاعل.
انتصرت ماجدة كالعادة. انتصر الحب في ماجدة كالعادة، لكن سقطنا نحن، كالعادة، في التجربة. هي عاهدت العذراء على أن تناضل بصوتها من أجل وطن حر سيّد مستقل، لكن تلك الليلة كان الوطن الواقعي، خارج منظومة المكان الذي اعتلته ماجدة. عندها كان الوطن الحلم يتجسّد في صوت امرأة، وكلمات امرأة ليست كالنساء ولا كلماتها كالكلمات، ولما أطفأ المسرح أنواره، عاد كل شيء الى مكانه…الا ماجدة. خرجت منتصرة وخرجنا مهزومين. ليس لاننا لا نملك نعمة هذا الصوت، لكن لا نملك عظمة الرسالة التي يحملها صوت، صار أبعد بكثير من حدود الغناء والالحان، صوت صار ملك ناس لبنان الاحرار، وأيقونة النضال.

