بالرغم من كل التصريحات التي صدرت عن مرجعيّات مشاركة في الحكومة الميقاتية، والتي تمظهر التشكيلة الحكومية بأنّها لبنانية وصنعت في لبنان، غير أنّ المراقب للخط البياني الذي بدأ باغتيال الحكومة السابقة مرورا بالأختيار الذي رسا على الرئيس ميقاتي والمراوحة غير المبرّرة في التأليف ،فانتهاء بمشهديّة الأعلان عن المولود العنقائي وأحاديّة الأصطفاف داخل زواريب الحكومة ،لا بدّ له من أن يلاحظ وبوضوح "اللمسة" السورية أو الريشة السورية التي حوكّت اللوحة الحكومية في تفاصيلها الأساسية الكبرى.
في التوقيت، يمكن الأشارة الى أنّ النظام السوري الذي دخل في نفق الربيع العربي معصوب العينين والأذنين والأنف وحاسة الذوق، عاش فترة ذهول أو غيبوبة، كونه لم يصدّق أنّ الحراك العربي المقهور والمطالب بالحريّة سوف تتجاوز خطواته حدود سوريا الى داخلها، ويتحوّل الى نوع من كرة الثلج المتعاظمة حجما بالرغم من معوّقات القمع والقتل والترهيب.
فعندما أفاق من غيبوبته، وجد نفسه مأزوما بشكل حادّ وراجع مؤهّلاته المواجهيّة، فلم يجد في جعبته سوى ورقتين هما "آخر خرطوشة" يمكن أن يوظّفها وعلى طريقة شمشون . أي الحسم الداخلي والورقة اللبنانية، وذلك ليقول للمجتمع الدولي انّ نفوذه لم يزل راجحا في الداخل والخارج . فتزامن الأنقضاض على منطقة جسر الشغور والسيطرة عليها بعد هروب أهلها في كل أتجاه مع أشارة الأنتهاء وعلى عجل من تشكيل ما سميّ حكومة لبنان.
أمّا في الوقائع، فانطلاقا من قناعتنا بأنّ التدخّل في الشأن السوري خط أحمر طلبا بالمعاملة بالمثل،إلا أنّ الظلم الذي يمارس على الأنسان في أيّ زمان ومكان هو مثار سخط واستنكار من جانب أيّ بشريّ يشعر بأنّ الكرامة الأنسانية تداس بأحذية القهر الضخمة. لكنّ المراقب لتعاقب الحوادث في سوريا، يرى أنّ مواجهة النظام للتحرّك الشعبي لم تستطع أن تمنع حصول تمدّد واضح على مستويي المساحة والعدد. وهذا ما أرّق القيادة السورية التي أحسّت بالضغط، واعترفت في أطلالات الرئيس الأسد المتعاقبة، بضرورة أجراء أصلاحات وفتح قنوات الحوار مع المعارضين وأعادة نظر في بنود الدستور وقانون الأعلام وسواها.
لكنّ المؤرق الحقيقي للقيادة السورية يتجلّى في ما بدا قرارا نهائيا للحركة الشعبية برفض قاطع لعروض السلطة، وبتبنّي شعار "الشعب يريد أسقاط النظام" كهدف أوحد لا عودة عنه. وبالرغم من رماديّة الموقف الأميركي ممّا يجري في سوريا، والذي لمّا يزل الحكم السوري يعوّل عليه، غير أنّ النظام الشقيق لا يستطيع المراهنة طويلا على هذه الضبابية الأميركية، وبالتالي يصبح اللعب على شفير الهاوية، والذي يتقنه هذا النظام جيدا، خطيرا للغاية، لأنّ الأميركيين المتريّثين الرافضين تكرار النموذج المصري والتونسي والليبي، يمكن أن يحسموا أمرهم في ما يتعلّق بالوضع السوري عندما ينجلي البديل المؤاتي المتمظهر بالأسلام المتنوّر والديمقراطي الحر، والمنفتح على مجتمعات الغرب وحضاراته، والداعي الى السلام.
وهنا بالذات تطرح الأشكالية التي تمثّل الحكومة اللبنانية فيها الحدّ الممسوك بصلابة من الجانب السوري. ما يعني أنّ الورقة اللبنانية هي الورقة القويّة التي تشهرها اليد السورية للتفاوض والمقايضة. وما الموقف السوري البريء من عملية تشكيل الحكومة سوى خدعة بصرية، كأن يعلن الأفرقاء اللبنانيّون الذين يرتبطون بالنظام السوري، وبوتيرة عالية، أنّ الحكومة صناعة محلّية فقط، الى حدّ يخيّل معه للسامع أنّها فعلا كذلك. ويغيب عن بال هؤلاء، الأستغلالية التي يوظّفها النظام الشقيق لمصلحة أستمراره، من خلال التضحية بالحكومة اللبنانيّة كثمن محتمل يدفعه ليضمن بقاءه، على أساس أنّ الأميركيّين في أستراتيجيّتهم الجديدة سلّموا بأنّ لبنان هو معطى أساسي، لا بل نموذج فريد في معادلة الحريّة والديمقراطية التي تسعى الولايات المتّحدة الى تعميمها على دول المنطقة. فهل يعتبر المستميتون في الدفاع عن السلطة الحاكمة في خاصرتنا؟!