حضر ثلاثة موارنة إلى جونيه ليل السبت للاستمتاع بحفلة غنائية. جلس كل منهم تحت العين الساهرة واليد الحاضنة لسيدة لبنان في حريصا، على مقربة من مقرّ الكنيسة المارونية، وأصغوا. لكن الضوء لم يكن مسلّطاً عليهم هذه المرّة، بل على النجمة اللبنانية الأصيلة، السيّدة ماجدة الرومي، التي ملكت الليل بفنّها وموهبتها.
وحدها جونيه تستطيع أن تُقدِّم مثل هذه المشهديّة الرمزية، وهذا ما فعلته من خلال مهرجانها الدولي السنوي الأوّل الذي انطلق بحفلة ساحرة أحيته ماجدة الرومي.
كنت بين الآلاف الذين حضروا الحفلة، وراقبت باهتمام بالغ كيف وصل سمير جعجع أوّلاً في رفقة زوجته ستريدا من دون ضجّة. وبعد ذلك بوقت قصير، وصل ميشال عون مع مفرزة أمنية كبيرة مما لم يترك مجالاً للشك في أنّ الجنرال هنا. ثم لوّح مراراً وتكراراً لمناصريه الذين راحوا يهتفون له قبل أن يجلس في مقعده. وأُعلِن رسمياً عبر المذياع عن وصول الرئيس ميشال سليمان، فعلت الهتافات الأقوى والأطول. بالتأكيد كانت هناك شخصيات مرموقة أخرى، بيد أنّني ركّزت على هؤلاء الثلاثة نظراً إلى أدوارهم ومواقعهم المتنوِّعة داخل الطائفة المارونية في لبنان. وما يثير الاهتمام في شكل خاص هو الخصومة والعداء المزمنان في الآراء والمواقف السياسية بين عون وجعجع، والتي يعتبر كثيرون أنه يجب معالجتها على أمل إيجاد حل نهائي لها.
وقد عبّرت ماجدة الرومي عن ذلك خير تعبير في حفلتها الغنائية. فقد رحّبت برئيس الجمهورية وقالت للجمهور إنه شرف كبير لها أن يكونوا جميعهم حاضرين "مع رئيس الجمهورية على رأس اللائحة". واغتنمت أيضاً الفرصة للترحيب بـ"القادة من مختلف الاتّجاهات السياسية". ثم ختمت برقّة وبلاغة: "لا أظّن أن هناك لبنانياً واحداً ليس سعيداً برؤيتكم معاً".
إذاً هناك، في قلب جونيه، في ملعب فؤاد شهاب، جلس الخصوم وأصغوا إلى أغنية تلو الأخرى أدّتها إحدى أفضل المطربات في لبنان بصوتها الرائع وحضورها الأخّاذ. اكثر الأغاني التي قدمتها ماجدة كانت من الثمانينات وتذكّر بأيّام الحرب في لبنان. وكان للكلمات وقع مختلف فيما كان عون وجعجع يجلسان في المقاعد الأمامية ويستمعان مثلنا إلى "يا بيروت" و"راجع يتعمّر لبنان". وربما دندنا معنا لحناً أو اثنين. ومسح العديد من الأشخاص في الجمهور دموعهم. وأنا أيضاً ذرفت دموعاً لذكرى المعاناة التي تكبّدناها خلال الحرب، إنها ذكرى حزينة إنما مفعمة بالأمل تحييها تلك الأغاني من جديد.
بعد ذلك، وفي لحظة تأمّل، تلوت صلاة على نيّة الأصدقاء الذين لم يعودوا معنا والذين ضحّوا بحياتهم وأرزاقهم كي يسود أولئك القادة أنفسهم. وتساءلت عن شعور عون وجعجع لدى سماعهما هذه الأغاني، وإذا كانا أحسّا بأيّ ندم أو ذنب.
لا خطأ اطلاقاً في أن يشعرا بالذنب. بل على العكس تماماً. لو فعلا، لكانت سيّدة حريصا اجترحت معجزة ثانية في ليلة واحدة. المعجزة الأولى هي جلوسهما بهدوء تحت سمائها، والمعجزة الثانية الشعور بالندم خطوة أولى نحو مصالحة حقيقية!
أعرف ما يدور في اذهانكم. لهذا بالضبط سمّيتها معجزة!