#adsense

“النهار”: قصة اتفاق الحدود البحرية بين لبنان وقبرص

حجم الخط

كتبت منال شعيا في صحيفة "النهار":

"انتظرناها من اسرائيل، فأتتنا من قبرص، بل من لبنان": وفق هذه المعادلة، تتكشف فصول قصة الاتفاق بين لبنان وقبرص الموقع في الـ2007. هي قصة، لا بل فضيحة تكشف خفايا ادارة الدولة، في اكثر من مرحلة.

قصة هذا الاتفاق انه يهدد لبنان عبر خطر خسارته نحو 900 كيلومتر مربع، اي ما يوازي نحو 9 في المئة من مساحته. تبدأ الرواية حين قررت لجنة الاشغال العامة والنقل والطاقة والمياه مواصلة درس ملف التنقيب عن النفط، فعمدت الى عقد ورش عمل مع اختصاصيين اجانب ومحليين، وتابعت حركة اسرائيل في النفط والغاز، وحذرت من طمع اسرائيل في مياهنا، ولاسيما بعد اكتشاف نفط في مياه فلسطين الموازية لحدود لبنان.

لكن ما لم يكن في الحسبان ان اللجنة اجتمعت مع وفد من "الجمعية السويسرية للحوار الاوروبي – العربي – الاسلامي" في 14 حزيران الحالي، وفي 21 منه، وخلال الاجتماعين، سلّطت الجمعية للمرة الاولى، الضوء على اتفاق بين لبنان وقبرص، وبين اسرائيل وقبرص يأكل من حق لبنان. هذه الحقيقة تبيّنت للجمعية خلال مشاركتها في مؤتمر في جنيف في ايار الفائت، فكان ان بادرت الى طلب اجتماع طارئ مع لجنة الاشغال.
من هنا بداية الحكاية. خلال الجلسة الاولى للجنة، كان نوابها يطالبون بالتعجيل في اقرار الاتفاق بين لبنان وقبرص، ظناً منهم انه يحترم الحدود ويحفظ حق لبنان في ثرواته النفطية، فهم لم يدركوا خباياه او غموضه، الى ان حان موعد الجلسة الثانية، فكانت الصدمة الحقيقية: "الاتفاق فيه اهدار كبير لمساحة من لبنان، وبالتالي لحقوقه النفطية".

المادة 3 والتقرير

المعلوم ان وزارة النقل هي الجهة المولجة تحديد الحدود، وعام 2007، كان الوزير محمد الصفدي متسلما الوزارة ضمن مجلس وزراء يرأسه الرئيس فؤاد السنيورة. من هنا، يتحدث رئيس لجنة الاشغال محمد قباني لـ"النهار" بكل شفافية، ولا يبالي بمن يعتقد ان فتح ملفات مماثلة هي "للمعارضة السياسية"، قائلا: "لو كنت سأسير وفق هذا النمط، لنمت على الموضوع، لكون الرئيس السنيورة كان يومها رئيسا للحكومة، لكنني صدمت كسائر النواب حين اطلعت على مضمون الاتفاق والخريطة".

ابتداء من ذاك النهار، وضعت اللجنة التي تضم نوابا من كل الكتل، هدفا لها هو التصدي "للمسّ بحقوق لبنان".
امام خريطة كبيرة تظهر حجم الاجحاف، يشرح قباني انه "عند توقيع الاتفاق، حدّد الجانب اللبناني الحدود بنقطتين موقتتين، النقطة 1 جنوبا، والنقطة 6 شمالا، اي ان الجانب اللبناني تراجع عن حدوده شمالا وجنوبا، الى حين الانتهاء من نزاعنا مع اسرائيل، اي ان سبب التراجع يعود الى استمرار الصراع مع اسرائيل، ولذلك، سميت النقطتان بالموقتتان، اي انهما غير نهائيتين، فيما النقطة النهائية التي تشكل حدودنا الصحيحة تحمل الرقم 23 ".

الى هنا، تبدو القصة منطقية، لكن ما لا يصدّق هو ما تضمنه "الاتفاق الشهير" في مادته الثالثة. ويقرأها قباني كالآتي: "اذا دخل اي طرف من الطرفين في مفاوضات تهدف الى تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة مع دولة اخرى، يتعين على هذا الطرف ابلاغ الآخر والتشاور معه قبل التوصل الى اتفاق نهائي مع الدولة الاخرى، اذا ما تعلق التحديد باحداثيات النقطتين 1 او 6".

بهذه البساطة تخلّى لبنان عن حدوده، وعلى الرغم من ان هذا الاتفاق لا يزال نائما في ادراج مجلس الوزراء، الا ان ما لحقه من متابعة، رتّب مسؤولية لا تقبل الجدل، على الجانب اللبناني، لكون هذه المتابعة لم ترفق مرة واحدة بطلب تفسير المادة 3 او توضيحها، لما فيه مصلحة لبنان وحدوده.

والدليل ان "النهار" حصلت على تقرير اللجنة المشتركة التي كلفت وضع تقرير مفصل عن الحدود البحرية الجنوبية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، والتي كانت معنية بمتابعة الموضوع، وعقدت اللجنة سلسلة اجتماعات كان آخرها في 29 4- 2009.

وخلال اللقاءات المتلاحقة، لم تنتبه اللجنة التي تضم عشرة مسؤولين لبنانيين، الى الغموض الفاضح في المادة 3، بل ان تقريرها يشرح ان "اللجنة عرضت تقدّم العمل تباعا خلال الاجتماعات التي عقدت في مكتب رئيس مجلس الوزراء وفي حضور الوزراء المعنيين، وطلب اليها استكمال عملها بتحديد حدود المنطقة الخالصة(…)، وتبين ان ما حددته اللجنة هو لمصلحة لبنان، لاسيما انه حدد وفق ما نصت عليه احكام مواد قانون البحار، واعتمدت في شأنها الخرائط المتوافرة حاليا، وبالتالي تمّ اعتماد الحدود التي حددتها اللجنة".

هذا ما جاء حرفيا في تقرير اللجنة المشتركة الرسمية اللبنانية، من دون ان تلفت الى ان حدودنا مع اسرائيل هي النقطة الـ23 وليس النقطة الرقم 1.

امام هذا الواقع، لا بد من خطوات تعيد حقوق لبنان اليه. هذه الخطوات رسمتها لجنة الاشغال على مراحل. ويوضح قباني: "تلزمنا تشريعات وطنية بحرية وتحديد النقطة البحرية، لذلك، فخلال ثلاثة اسابيع، ستقدم اللجنة اقتراح قانون معجلا يقضي بانشاء مناطق بحرية خاضعة للسيادة اللبنانية. وتستعين اللجنة مع النائب غسان مخيبر وعدد من الخبراء لوضع القانون، بهدف تجهيز القاعدة الصالحة لاعادة التفاوض مع قبرص الذي يفترض ان تتولاه الحكومة الجديدة بعد نيلها الثقة".

وفق قباني ان المادة 3 تحمل الكثير من الغموض، ويجب تصويبه وتوضيحه بمفاوضات جديدة مع الجانب القبرصي، بما يؤمن حدود لبنان الكاملة بالنسبة الى النقطتين النهائيتين اللتين تتطلبان تحديدا مع دولة ثالثة، ولاسيما ما يتعلق بالحدود مع العدو الاسرائيلي".

ويلفت الى ان "مجلس النواب يتمتع بمطلق الصلاحيات لتفسير المادة الثالثة وفقا لقراءة تؤمن حقوق لبنان من ثرواته، وتحقق النية الاصلية من وضعها".

وهل قباني يستعد قريبا للقاء السفير القبرصي في لبنان، يقول: "كلنا ثقة ان قبرص ستتجاوب مع مطلب لبنان العودة الى التفاوض لاننا متأكدون ان قبرص لا تريد ان ينشأ بيننا نزاع يصل بنا الى المحاكم الدولية".

وفي المحصلة ان لجنة الاشغال فتحت الصفحة الاولى من الملف، مراهنة على العلاقة المتينة بين لبنان وقبرص، ومتسلحة بمبدأ اساسي في التفاوض هو: "اعتماد المطالب القصوى" للحصول على ما هو حق لنا. واذا كان المطلوب في هذه القصة – العجيبة تضافر جهود السلطتين التنفيذية والتشريعية "لاعادة الحدود الى حدودنا"، فإن المطلوب أبعد من ذلك هو توافر الكفاية والمسؤولية لمن هم في الادارة اللبنانية، ولاسيما اذا سلّم هؤلاء "ثروات لبنان!".

المصدر:
النهار

خبر عاجل