أمران خرج الأمين العام لأجلهما على الرأي العام زادا ضعف صدقيته المستجد، تحديدا منذ بدء الانتفاضة الشعبية السورية واضطراره إلى فلسفة إزدواجية نظرته التي تميز بين البحرين وسوريا وايران من جهة، وبقية الحركات الشعبية في العالم العربي من جهة أخرى.
لقد أراد أن يصدق اللبنانيون ما لا يصدقه هو حاليا: أولا أن حزبه لا يخرق برغم كشفه ثلاثة عملاء، إضافة إلى ما سبق، محتجاً بأنهم ليسوا في مواقع فاعلة، كأن مَن جندهم فعل ذلك للتسلية، أو "التمريك". ثانيا أن هذه الحكومة صناعة لبنانية مئة في المئة، وهنا كاد يشهد الأولياء والصالحين جميعا.
صدّق، ايها اللبناني، ان هذه الحكومة ليست صنيعة النظام السوري: فشقيق رئيسها لم يجتمع قبل يومين من ولادتها بالرئيس بشار الأسد وحاز له بركة قصر المهاجرين. وهو، وإن كان أكثر من زيارة دمشق، منذ التكليف، فإن ذلك لم يك، إلا للوفاء بنذور للسيدة زينب، و"صادف" ان التقى، في كل زيارة، الرئيس السوري.
كذلك، لم تكن زيارات الوزير غازي العريضي، بتكليف من رئيس "جبهة النضال" النيابية، للوقوف على خاطر النظام السوري من تشكيل الحكومة الوليدة. بل هو كان في عاصمة الأمويين لوضع خبرته الاعلامية في خدمة هذا النظام في هذه المرحلة العصيبة التي يعيشها. اما الخليلان، موفدا الثنائية الشيعية، فلم يكونا في دمشق، تكرارا، الا لادمانهما السهر في مرابعها. فالادمان غلاّب ولا شفاء منه، ولا علاج له. برغم البراءة الواضحة، لا تريد ايها العنيد ان تصدق، وتسمح لنفسك بأن تفكر في أن الحكومة مفروضة من دمشق. انت تعتقد ان النظام السوري حمل حكومته اللبنانية رسائل متعددة، أولاها الى العالم، ولا سيما العربي، مفادها ان "حزب الله" يدير لبنان برعايتنا، وثانيتها الى الطوائف اللبنانية: الى السنة للقول ان "الرعاية" السورية تعزز وضعهم، فالرئيس بري "رجلنا" اعطاكم الوزير السابع، والى المسيحيين ان مظلتنا تجعلكم رقما صعبا وتجعل من الجنرال المتقاعد زعيما ومن عائلته وانسبائه في الوطن والمهجر رحما لا يلد سوى وزراء.
رسالة أخرى، الى العلمانيين، ان "الوكيل" الشيعي للوصاية يتقبل العلمنة، ويقبل بشيعي من المؤمنين بها ولو كان سوري الهوى والعقيدة، في مقعد من مقاعد الطائفة.
رسالة من نوع آخر، مناطقية الى أهل الشمال (اللبناني): في ظل الوصاية، لكم ستة وزراء منهم 5 سنة، 4 منهم طرابلسيون. أي ان لا أحد يرعاكم مثلنا، من النهر الكبير الى جسر المدفون.
يضاف إلى ذلك كله رسالة الى الأكثرية السورية مفادها أننا نرعى امتدادكم الديموغرافي في لبنان، فكيف تشكون رعايتنا لكم؟
امران تحدّث فيهما الامين العام، بدا فيهما ألصق بالسياسي المناور منه بزعيم مقاومة. فالأول من طبيعته أن يوهم جمهوره بما ليس حقيقيا، أما الثاني فمن مواصفاته ألا يداهن ولا يرائي.
اليوم بات لدينا نسخة جديدة من الأمين العام ولدت بعد الربيع العربي، وستكون أكثر اختلافا "ما بعد بعد هذا الربيع".