كلّ المناورات ومحاولات الالتفاف على التزام لبنان بالمحكمة الدوليّة ـ وهي مطلب الشعب اللبناني منذ 14 شباط العام 2005 ـ لن يُجدي نفعاً فأول الذين سيسقطون بضربة قاضية من مطرقة المحكمة هو رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، بل عملياً سيكون أكبر الخاسرين على مستوى طائفته ومستقبله السياسي، ومن يدري مستقبله الاقتصادي ربما،وهو عندما أقدم على مغامرة ومقامرة المشاركة في إسقاط حكومة سعد الحريري ربما لم يكن مدركاً لكلّ ما سيحدث في العالم العربي،وها هو اليوم يترنّح تحت وطأة الريح التي تعصف بالمنطقة،وبسورية تحديداً، بحيث بات مصير كلّ الذين ربطوا مصيرهم السياسي بنظامها في مهبّ التساؤلات!!
لا يكترث اللبنانيون كثيراً بسقوط الرئيس نجيب ميقاتي في امتحان المحكمة، فهذا سقوط أدركوه منذ اندفاعه لإزاحة إرث رفيق الحريري ومحاولة طمس معالم الجريمة وهي قد لا تكون المحاولة الأخيرة على هذا المستوى،إلا أنّ ما يخيف اللبنانيين حقيقة هو أن يسقط و»نهائياً» رئيس البلاد أمام هذا الامتحان الكبير، تماماً مثلما جرى إسقاط اتفاق الدوحة الذي توج بانتخابه رئيساً،ومحاولات إسقاط «اتفاق الطائف» الذي أخرج البلاد من الحرب الأهلية، منذ أتى الرئيس ميشال سليمان إلى سدّة الرئاسة وخطاب القسم يسقط فقرة تلو الأخرى تحت وقع ضربات قبضات جماعة حزب الله وحلفائه!!
سقط «خطاب القسم» على الرغم من إعلان الرئيس فيه:»قسمي هذا التزام علي، كما إرادتكم هي التزام أيضاً»،ولم يحقّق فخامته أي شيء من «الكثير الكثير» الذي ينتظرنا مثلما وعد اللبنانيين!!
وسقط خطاب القسم في امتحانه الثاني عندما عجز عن تنفيذ ما أقسم عليه الرئيس:»إن البندقية تكون فقط، باتجاه العدو، ولن نسمح بأن يكون لها وجهة أخرى»،فتوجهت «وكتّرت» بعد الشعب إلى الجيش اللبناني والقوى الأمنية!!
وسقط خطاب القسم وسقطت قبله وبعده «المقاومة» في امتحان ثالث عندما عجز عن إدارة طاولة الحوار على رغم حديثه عن حتمية وجود «إستراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازماً مع حوار هادئ، للاستفادة من طاقات المقاومة،خدمةلهذه الإستراتيجية..فلا تُستهلك انجازاتها في صراعات داخلية، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطني»،فإذا بحزب الله ينفّذ مناورة تعطيل الحوار الداخلي حول سلاحه، ثم ينقلب على لبنان كلّه ويقبض على كلّ سلطاته بين أصابعه!!
وسقط خطاب القسم في امتحان رابع عندما أخذ لبنان رهينة حزب يزجّ به في محور «ممانعة» يواجه العالم بأسره فيما رئيس البلاد يقول للشعب اللبناني أن هذا تداول للسلطة مع أنّ ما حدث انقلاب على نتائج انتخابات جاءت بها إرادة الشعب اللبناني، فسقط فصل جديد ممّا أقسم عليه رئيس البلاد وألزم نفسه به:»إن علاقاتنا الخارجية، تبقى الأصلح والأفعل،بمقدار ما تنطلق من هذا الميثاق،فتؤمن وتحمي،مصالح لبنان وتحترم خصوصيته وتتيح له استعادة دوره الفاعل،في محيطه العربي، والمجتمع الدولي، كونه المثال الحي لتعايش الثقافات» .
لم يبقَ أمام رئيس البلاد إلا سقوطه مع سقوط «قسمه» على مرأى من الشعب اللبناني وتحت أنظار ورعاية دول العالم في الامتحان الأخطر والأخير أمام اللبنانيين أولاً، وأمام دماء الشهداء ثانياً، خصوصاً بعد ما تناقلته وسائل الإعلام منسوباً إليه من أن إحالة بند المحكمة إلى طاولة الحوار ـ مع أنها بند أقرّ منذ العام 2006 ـ فكرة لم تتبلور، فقد أقسم فخامته على:»إن التزامنا مواثيق الأمم المتحدة، واحترامنا لقراراتها،يعود لقناعتنا الراسخة بالشرعية الدولية المستمدة من مبادئ الحق والعدالة، وإذ نؤكد مساهمتنا في قيام المحكمة الدولية الخاصة، بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وما تلا من اغتيالات، فذلك تبيان للحق،وإحقاق للعدالة».
يحزن اللبنانيّون لما آلت إليه أمور خطاب القسم، وسقوطه فقرة تلو الأخرى، وهم يدركون خطورة سقوط دور الرئاسة نهائياً بضربة قاضية بفقدها ثقة الشعب اللبناني في حال تجاهلها لما «أقسمت» عليه، فبعد الحنث بالقسم والأيمان أي قائمة ستقوم لمطلق كلام سيصدر عمّن يقسمون ويرمون أيمانهم ودماء شهداء لبنان وراء ظهورهم!!