كتب شارل جبور: كرر النائب ميشال عون ما كان أعلنه بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتكليف الرئيس نجيب ميقاتي بقطعه للحريري تذكرة سفر "روحة بلا رجعة"، أو تخييره وفريق عمله بين الإبعاد إلى الخارج أو السجن في الداخل، وقوله أخيرا إن الهالات والمحرمات ستتكسر. فالموقف الأول لعون، أي الذي أطلقه في كانون الثاني الماضي، كان يمكن تفسيره ولو أنه مخالف للواقع اللبناني استنادا إلى أكثر من تجربة ومن بينها تجربة هذا الرجل الشخصية والتي تفيد بأن الشعب وحده صاحب القطع والفصل وليس نظام استبدادي من هنا، وقد بدأ بالتهاوي أخيرا لحسن حظ الشعبين اللبناني والسوري، أو رغبات وتمنيات شخصية من هناك تعكس قناعات هذا الانسان الحقيقية برفضه الآخر المختلف فقط لأنه لا يؤيد وصوله إلى رئاسة سيحولها مجددا منصة لإشعال الحروب الداخلية.
فأن يقول عون ما قاله قبل ثورة 25 يناير المصرية و15 مارس السورية قد يكون مفهوما من زاوية القراءة السورية ومن لف لفها للحوادث، هذه القراءة المغلوطة وغير الواقعية التي كانت ترى انهيارا للنفوذ الأميركي ومحور عرب الاعتدال وعودة الدور السوري الإقليمي، فضلا عن دور إيران "الدولي"، وكأن الدور السوري كان بفعل قوة البعث وليس الضوء الأخضر الأميركي-الإسرائيلي، ولكن بعد كل هذه التحولات وآخرها في سوريا التي يقف نظامها عاجزا ومشلولا ومكبلا وفاقدا للمبادرة والمشروعية ومهددا بالسقوط، لم يعد ممكنا إيجاد أي تفسير لكلام عون الاستفزازي سوى أنه "سباحة عكس التيار"، هذا الرجل الذي لم يعد يرى دورا لنفسه، منذ "وثيقة التفاهم" وحوادث 7 أيار والتبشير بوضع "القطار على السكة"، خارج وصاية سلاح "حزب الله" والجيش السوري.
ليس مطلوبا من عون التخلي عن تحالفاته، ولكن ما هو مطلوب منه إجراء قراءة واقعية للحوادث لا تقوده إلى تكرار نفس التجربة التي قادته إلى المنفى في مطلع تسعينات القرن الماضي، مع اختلاف الظروف والمعطيات من جهة وتطابق طبيعة التحولات كونها تحولات استراتيجية من جهة أخرى (سقوط جدار برلين-حرب الخليج الثانية والثورات الشعبية-سقوط الأنظمة الديكتاتورية)، إذ لو وافق عون على اتفاق "الطائف" لما فوت على اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا اللحظة السياسية المحلية-الإقليمية-الدولية التي ولد في ظلها هذا الاتفاق والتي سرعان ما تبددت واختلفت الظروف مع حرب الخليج الثانية وما نتج عنها من تفويض أميركي لسوريا بإدارة الملف اللبناني وما تبعها من انقلاب على وثيقة الوفاق الوطني ومن حوادث لاحقة مؤرخة ومعلومة.
فما يحصل اليوم من تحولات على مستوى العالم العربي لا يقل أهمية عن انهيار الاتحاد السوفياتي، لا بل أهم ربما من زاوية أن انهيار المنظومة الاشتراكية شكل تحولا على المستوى الدولي لم يجد ترجمته في العالم العربي، بينما حركات التغيير في هذا العالم تشكل تتمة موضوعية للحدث الأول وتقدم فرصة ذهبية لشعوب هذه المنطقة بالعودة إلى الأولوية الديمقراطية كما الوطنية على حساب شعارات "قومجية" دفعت الشعوب العربية ثمنها من أمنها ورخائها وتقدمها وحريتها.
ولعل أي قراءة موضوعية تفيد بأن النظام البعثي الذي يتكئ عليه "الجنرال" انتفى دوره الإقليمي بقرار دولي في خريف العام 2004 (1559)، وبقرار سوري شعبي (15 آذار 2011)، وهذا بالحد الأدنى، لأن مسار الأمور في سوريا يؤشر إلى نهاية محتومة لهذا النظام. وما ينطبق على نظام البعث ينسحب على "حزب الله"، لأن قوة الأخير متأتية بشكل كبير من قوة الأول، وبالتالي سيجد الحزب نفسه أمام واقع جيبوليتيكي جديد لا خيار أمامه سوى التسليم بشروط الدولة في لبنان.
فما بال "الجنرال" يخوض معارك عبثية تذكرنا بمعارك النظام الأمني المشترك مع المسيحيين منذ مطلع التسعينات ولغاية العام 2005، ومن ثم مع الحالة السنية المجسدة بالشهيد رفيق الحريري. فهل وظيفة عون باتت أن يقوم مقام ذاك النظام الأمني المشؤوم بفتح معارك ولى زمانها ولا أفق لها ووظيفتها لا تتعدى المحاولة البعثية اليائسة لصرف الأنظار عن المجازر التي ترتكب في سوريا؟ وإذا كان دور النظام السوري مفهوما، وهو ليس بجديد وبخاصة في ظل أزمته الوجودية المعلومة، فإنه من غير المفهوم أن يضع عون المسيحيين في مواجهة مع السنة ليس في لبنان فقط، إنما في سوريا والعالم العربي. فقوى "14 آذار"، على سبيل المثال، لم تحول يوما المواجهة مع "حزب الله" على خلفية سلاحه غير الشرعي، إلى مواجهة مع الطائفة الشيعية، ولا بل كانت تحرص وما زالت على التمييز بين الحزب والطائفة، كما على مقاربة مسألة السلاح من زاوية وطنية – سياسية لا شخصية – طائفية، بينما "حزب الله" هو الذي سعى إلى احتكار التمثيل الطائفي بقوة السلاح للاختباء خلف طائفته.
فما يمارسه عون هو استفزاز واضح وصريح لشارع طويل وعريض ويشكل تهديدا للميثاق الوطني وللعيش المشترك في لبنان، ولا يفترض إطلاقا التقليل من تداعياته، كما أنه لم يسبق في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية أن زعيما هدد آخر بالإبعاد والسجن، وهنا لا نتكلم عن أبواق مأجورة، إنما عن زعماء ممثلين لطوائفهم، لأن تهديدات مشابهة تجر إلى حروب أهلية. وللتذكير فقط ان قرار نقل قائد جهاز أمن مطار بيروت كان من مسببات حوادث 7 أيار، فكيف بالحري استسهال تهديد زعيم طائفة بالسجن على خلفية كلام ممجوج بحجة الإصلاح، هذا الإصلاح الذي سيبقى مستحيلا في ظل "حزب الله" وسلاحه، كما كان مستحيلا في ظل الوصاية السورية على القرار السياسي اللبناني.
إن الدعوة لمحاكمة "الحريرية" السياسية تتطلب قبل أي شيء محاكمة الحاكم الفعلي للبنان بين عامي 1990 و2005، أي نظام البعث، كما محاكمة اللاعبين السياسيين المؤثرين إبان تلك المرحلة من "حركة أمل" و"حزب الله" إلى النظام الأمني الذي أطل برأسه مجددا مع عودة الحكومة الميقاتية. ولكن ما هم "الحريرية" السياسية من عون، لأن التاريخ سيسجل لهذه الحالة ثلاثة انجازات في أقل تقدير:
– قدرتها على نسج شبكة علاقات مع دول القرار العربية والدولية، مما ساهم في إنضاج الظروف الخارجية لاستعادة لبنان مقوماته السيادية من صدور القرار 1559 إلى القرارين 1557 و1701 وما بينهما انسحاب الجيش السوري من لبنان.
– قدرتها على إطلاق أكبر ورشة إعمار عرفها التاريخ اللبناني، ومهما قيل في الوسط التجاري وعنه، فهو أعاد لبيروت تألقها ورونقها وحضورها، وما إقفال هذا الوسط لسنة ونصف السنة من قبل حزب الله-عون إلا تشفيا وانتقاما من هذا الانجاز التاريخي.
– قدرتها على مصالحة المزاج السني مع لبنانيته من دون التناقض مع عروبته، وهي سبقت بذلك الثورات العربية التي أعادت الأولوية لدى الشعوب العربية إلى الأولوية الوطنية.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه أخيرا في هذا السياق: ماذا سيحفظ التاريخ من سجل "العونية السياسية"؟
