#adsense

هل نبقى متفرجين على احتياطي الغاز الطبيعي الأكبر في العالم قبالة مياهنا الإقليمية؟…”السفير”: لهذه الأسباب… على لبنان إطلاق ورشة وطنية لملف النفط والغاز

حجم الخط

كتب علي دربج في صحيفة "السفير": في الوقت الذي بدأت فيه دول كبرى بالتخطيط لكيفية «الفوز» بامتيازات الاستثمارات النفطية في لبنان، وفي الوقت الذي تهدد في إسرائيل بتحويل لبنان الى كرة نار إذا فكر بالتعدي على ما تسميها «حقوقها النفطية والغازية» في البحر المتوسط، أظهر سلوك الحكومات اللبنانية المتعاقبة، وخاصة بعد العام 2005، في التعاطي مع حقوق لبنان الغازية والنفطية في البحر المتوسط، تقدم الحــسابات الخارجية والطائفية والمذهبية والنفعية على المصلحة الوطنية العليا، والا فكيف يمكن تفسير اللامبالاة والمماطلة والتسويف والاستهتار والخفة من قبل بعض القائمين علي هذا الملف؟

استنفرت إسرائيل جميع إمكاناتها وعلاقاتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية والتكنولوجية، وحددت موعدا لجمهورها لاستخراج الغاز في العام المقبل، وشرعت ببناء المنصات ومعامل الطاقة تمهيدا للإنتاج، فيما لبنان يتخبط في معالجة الاتفاق ـ الفضيحة بينه وبين قبرص حول المنطقة الاقتصادية الخالصة، المعقود في 17 كانون الثاني 2007 والذي أهدى إسرائيل وقبرص مساحات كبيرة من حقوقه البحرية وشكل لهما دافعا للاعتداء على حدود لبنان البحرية وســرقة ثروته النفطية الافتراضية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، لم تجد حكومة سعد الحريري حرجا في تقديم المصلحة التركية على اللبنانية، وذلك بالعمل على الاحتفاظ بمضون هذا الاتفاق مع قبرص في أدراج مكاتب السرايا الكبيرة، وبالتالي الحرص على عدم إرساله الى مجلس النواب للاطلاع عليه ومناقشة مضمونه تمهيدا لإبرامه بالرغم من مناشدات وزارة الطاقة والمياه المتكررة منذ مطلع العام 2010 وحتى الآن.

سنة واحدة تفصل إسرائيل عن الانضمام الى نادي الدول المنتجة والمصدرة للنفط، اما لبنان الذي احتاج الى سنوات فقط لاقرار قانون النفط، ربما سيحتاج الى عقود لترسيم حدوده البحرية ومنح الامتيازات لشركات للتنقيب عن الغاز، وذلك اذا استمرت العقلية والسلوك الحاليان يتحكمان بنهج أهل سلطته السياسية، فقد نصل الى اليوم الذي يعلن فيه لبنان جهوزيته لاستخراج النفط، ولكن عندما تكون اسرائيل قد انتهت من شفط معظم الاحتياطي الغازي في المتوسط.

فالمعهد الجيولوجي الأميركي (USGS) كان قد نشر، في آذار 2010، نتائج استطلاع يتعلق بحجم احتياطي النفط والغاز الطبيعي الموجود في منطقة الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط التي تضم سوريا ولبنان وإسرائيل، وقدر فيه وجود نحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و1.7 مليار برميل من النفط غير المكتشف. وقال معدو الاستطلاع إن احتياطي الغاز الطبيعي يعتبر الأكبر في العالم كافة. وقدروا قيمته الإجمالية بحوالىي 700 مليار دولار. وتبين أن الاستطلاع يشمل فرضية فحواها أن إسرائيل تبسط سيادتها الإقليمية على 40 بالمئة من هذه المنطقة، وبالتالي فإن قيمة الغاز الطبيعي الذي يعود إليها تبلغ حوالى 300 مليار دولار. وهذا ما أكدته أيضًا شركة «نوبل إنرجي»، التي تشترك في أعمال التنقيب في الحقول الاسرائيلية كلها، في بيان خاص صدر عنها في حزيران 2010.

تجدر الاشارة الى أن صحيفة «ذا اكونومست» البريطانية في موقعها على الانترنت في 16 تشرين الثاني 2010 أوردت انه يمكن إنتاج الغاز الطبيعي من حقلي «تمار» ولفيتان» اللذين للبنان حقوق فيهما بقيمة أربعة مليارات دولار سنويا.

هذه الوقائع تشير الى أن لبنان يواجه مأزقا كبيرا، فهو يفتقر الى استراتيجيا وطنية شاملة للتعامل مع هذا الملف الحساس، بأبعاده كافة، الداخلية والخارجية، ولا سيما لجهة الاستفادة من فرصة اقتصادية تاريخية وكبيرة تجعله قادرا على اعادة صياغة وظيفة اقتصاده باتجاه الاستفادة من هذا المصدر الذي يمكن أن يدر على الخزينة اللبنانية دخلا كبيرا.

بهذا المعنى صار لزاما على حكومة نجيب ميقاتي أن تتقدم حيث لم يجرؤ الآخرون على التقدم، وذلك من أجل وضع تصور شامل يحدد الخطوات المستقبلية للحكومة في هذا الملف والقيام بالتنسيق الكامل بين الوزارات والإدارات المعنية وهذا لا يتحقق إلا باستنفار جميع الجهود والخبرات في لبنان بالعمل على اتخاذ عدد من الخطوات وفي مقدمها:

أولا: على المستوى الدولي، تعد الرسالة التي وجهها وزير الخارجية والمغتربين عدنان منصور، الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والتي يعترض فيها على الاتفاق الإسرائيلي القبرصي، بشأن تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تظهر الاعتداء على الحدود اللبنانية بنقطة داخلها تناهز 5 كيلومترات، خطوة مهمة في هذا الإطار، غير أنها يجب أن تستتبع، بتحرك دبلوماسي سريع على مستوى الدول الكبرى ومؤسسات الأمم المتحدة والمنابر الإقليمية والعربية والإسلامية، إضافة إلى إعداد ملف من قبل الخبراء المختصين في الحدود البحرية والقانون الدولي والدبلوماسي، تمهيدا لتقديمه إلى مجلس الأمن الدولي، والطلب اليه تعيين لجنة دولية خاصة لتقييم الوضع والفصل في النزاع مع إسرائيل بشأن تحديد حقوق كل منهما في المنطقة الاقتصادية الخالصة، فضلا عن تهديد لبنان بمقاضاة الشركات الأجنبية التي قد تمنحها إسرائيل حق التنقيب عن النفط واستخراجه من جانب واحد في المنقطة المتنازع عليها، وبالتالي تعريضها للاخطار.

ثانيا: إن لجوء لبنان الى محكمة العدل الدولية، لا يبدو انه الحل الأمثل، ودونه عقبات وأبرزها أن لبنان في حالة حرب مع إسرائيل ولا يعترف بها، وحتى التحكيم الدولي، فانه يحتاج الى اتفاق بين الطرفين، ومن هنا لم يبق أمام لبنان سوى البحث عن طريقة ما عبر طرف ثالث للتوصل الى تسوية ما، علما بأن إسرائيل كان ردها واضحا، وقد أشار إليه الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مايكل ويليامز، في مقابلة مع «السفير» قبل أيام قليلة، بأنها ترفض إجراء أي اتفاق مع لبنان، إلا في إطار معاهدة سلام ثنائية، وهذا يعني أن المحاولات لتمرير اتفاق من هذا النوع عبر «اليونيفيل»(الاجتماع الثلاثي) قد باءت بالفشل حتى الآن.

ثالثا: هناك مسألة عدم ترسيم الحدود البحرية اللبنانية التي تعتبر إحدى الثغرات التي تجب معالجتها سريعا وذلك من خلال إيجاد آلية لبنانية معينة للترسيم، ومن ثم السعي لإيجاد آليات للترسيم مع قبرص وسوريا وإيجاد صيغة عبر الأمم المتحدة للترسيم مع إسرائيل من دون الوقوع في مطب المطالب أو الأطماع الإسرائيلية.

رابعا: فيما يتعلق بالاتفاق مع قبرص حول المنطقة الاقتصادية الخالصة، يجب تدارك الأخطاء التي وقع فيها الجانب اللبناني أثناء عملية التفاوض، وتعديل الاتفاقية وتثبيتها قانونيا، وذلك باعتماد النقطة الرقم 23 وتثبيتها وهي النقطة النهائية ونقطة التلاقي الثلاثية المتوازية المسافات بين لبنان وقبرص وفلسطين المحتلة، بدلا من النقطة الرقم واحد التي وضعت كنقطة موقتة قبل توقيع الاتفاق مع قبرص في العام 2007. فالفرق بين النقطتين مساحة غير قليلة وهي من حقوق لبنان وجزء من ثروته الطبيعية، بحسب رئيس لجنة الطاقة والنقل والاشغال النيابية محمد قباني، موضحا لـ«السفير» أن «هذا الخطأ التقني له مفاعيله الكبيرة على الخرائط»، مؤكدا أن لبنان لم يوضح أن هناك خطأ أو غموضا يحتاج إلى توضيح، داعيا الى التفاوض مع قبرص انطلاقا من المصلحة المشتركة للبلدين، ليتم التأكيد على نقطة التلاقي الثلاثية الرقم 23 وليس النقطة ذات الرقم واحد، موضحا ان اللجنة بصدد بإعداد الملفات القانونية لهذه الغاية.

خامسا: إرسال الحكومة للاتفاقية المعدلة مع قبرص وتوضيح إحداثيات المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة بالتوافق مع الحكومة القبرصية الى مجلس النواب لإبرامها والتصديق عليها.

سادسا: ضرورة الإسراع بإجراء كل ما يلزم لتصحيح الخطأ القبرصي بالاتفاق الموقع بين قبرص وإسرائيل، وصولا الى عودة قبرص عن خطئها بالاتفاق الموقع مع إسرائيل والذي قضى باعتماد نقطة داخل الحدود البحرية اللبنانية، وفقا لوزير الطاقة والمياه جبران باسيل.

سابعا: المبادرة إلى إقرار قوانين وتشريعات محلية تتعلق بتحديد المناطق البحرية اللبنانية، إذ إن التأخير بالتقاعس عن القيام بذلك يتعارض مع موقف لبنان لكونه من الموقعين على اتفاقية قانون البحار للعام 1958، التي تلزم لبنان القيام بمثل هذه التشريعات.

ثامنا: القيام بخطوات استباقية حازمة وفعالة وسريعة لمنع إسرائيل من سرقة ثروات لبنان بالاستفادة من تطور تكنولوجيا التنقيب، حيث بات يعتمد حفرا باطنيا أفقيا للآبار، وهذا يعني أن الآبار الجوفية، للنفط والغاز التي تقع على الحدود البرية أو البحرية، وهي آبار لا تعترف بالحدود السياسية، ستكون جائزة لمن يحفر أولا، إذ لا يمكن لمن يبادر الى الحفر بداية أن يسحب أفقيا كل ما يكمن أن يكون تحت ارض أو بحر البلد المتاخم، مع الإشارة الى أن اكبر حقول الغاز البرية التي حددتها وزارة البنى التحتية الإسرائيلية تقع الى جنوب الحدود اللبنانية ما بين قريتي العديسة في قضاء مرجعيون والغجر المحتلة في قضاء حاصبيا.

تاسعا: الإسراع في الإعلان عن المناقصات لاستدراج عروض التنقيب عن الغاز والنفط من قبل الشركات الاجنبية، إذ ان كل تأخير، تستفيد منه إسرائيل بالدرجة الاولى، حيث بالامكان تلزيم العقود للبدء عن التنقيب في المياه الإقليمية بداية ريثما يتم تحديد الحدود اللبنانية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والتأكد من الإحداثيات للمنطقة الجنوبية والجنوبية الغربية للمنطقة الاقتصادية. وفي هذا السياق، كشف الرئيس فؤاد السنيورة، خلال محاضرة له في قبرص يوم الجمعة الماضي، عن تقرير اعدته شركة PGS النروجية، في العام 2008 أشارت فيه الى أن الشاطئ اللبناني يمثل على ما يبدو قاعدة للموارد النفطية التي لم يتم اكتشافها بعد.

عاشرا: اعتماد اسرائيل الخط المائل وليس الخط المستقيم في اطار محاولة السيطرة على حقول الغاز في البحر المتوسط، والحؤول دون حصول لبنان على حقوقه في حقل «لفيتان»، ذلك أنه بموجب المسار المائل، فإن حقل «لفيتان» يقع في تخوم المنطقة الاقتصادية الاسرائيلية، اما في حال الترسيم وفق خط مستقيم في عرض البحر فيكون الغاز الطبيعي واقعا بين مدينتي صيدا وصور، أي ضمن الحدود اللبنانية ولا يحق لإسرائيل التصرف به.

حادي عشر: لا يجوز التقلـــيل من المـــرود الاقتصادي والمالي لحقوق لبنان الغازيـــة المكتشــفة في البحر المتوسط، وهو أمر سيسحب نفـــسه تلقائيا على كيفية مقاربة لبنان لمسألة انتاج الطــاقة الكهربائية بوصفه العــبء الأكبر في الموازنة العامة سنويا، اذ ان شركة كهرباء لبنان تتكبد سنــويا 1,3 مليار دولار. وتشير دراسات الى أن لبنان بمقدوره أن يوفر ما بين النصف الى الثلثين من الكهرباء التي يحتاج اليها من الكميات التجارية من الغـاز في مياهه الاقليمية.

ثاني عشر: لا يجوز أن تكون المقاومة ومعها الجيش خارج المقاربة الوطنية لملف النفط، ويمكن أن يكون هذا الأمر جزءا من نقاش الاستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار برعاية رئيس الجمهورية.

 

المصدر:
السفير

خبر عاجل