#adsense

تقرأ في مرتكزاتها الفلسفية والدستورية وتعتبرها تمهيداً لربيع لبنان…”السفير”: الكنيسة تتبنى الدولة المدنية مدخلاً لحل الأزمة الوطنية

حجم الخط

كتبت دنيز عطا الله حداد في صحيفة "السفير": قد يبدو الحديث عن الدولة المدنية في لبنان اليوم تغريدا خارج السرب. فبين البيان الوزاري المرتقب وكأس القرار الاتهامي المّر، وبين اكثرية مستقوية واقلية تحاول الاستقواء، يتجدد الخوف على الدولة، قبل تحديد مفاهيم هذه الدولة.

لكن دوائر كنسية تعتبر ان من صميم مهامها البحث عن بدائل وتقديم حلول لازماتنا المتتالية. وهي وجدت في مقاربة الدولة المدنية مدخلا الى مخاطبة الغد وايجاد مساحات مشتركة يتلاقى عليها اللبنانيون يوم يقررون التوقف عن استيلاد ازماتهم.

منذ ربيع العام 2009 وحتى صيف 2010 قام "المركز الماروني للتوثيق والابحاث" بورشة عمل سعى في خلالها الى مقاربة مفهوم الدولة المدنية عبر مجموعة مثقفين وسياسيين ومعنيين بالشأن العام. كان الهدف "محاولة تحديد مجموعة مفاهيم سياسية يشكّل كل منها اشكالية بين اللبنانيين، في اطار المساهمة في ضبط المفردات السياسية وتسهيل الحوار الداخلي". والى اليوم يتم البحث في الدوائر الكنسية بهذا الطرح "تمهيدا لايجاد ارضية يتوافق عليها اللبنانيون لبناء ربيعهم وغدهم".

يشجع على ذلك ان البطريرك بشارة الراعي كان سباقا الى المطالبة "بتشكيل هيئة وطنية لترسيخ الدولة المدنية في لبنان". وقد سبق ان قال "عندما يُطرح موضوع الغاء الطائفية يقابله طرح العلمنة الشاملة. وهذا جرى ايضا اثناء انعقاد مؤتمر الطائف في شهر تشرين الاول 1990. وكلا الطرحين ينطلق من مواقع طائفية. وبالتالي هما مرفوضان بالمطلق. فمطلب الغاء الطائفية السياسية مطروح، في ظن الكثيرين من المسيحيين بهدف استبدال سيطرة طائفية بسيطرة اخرى تحت ستار الديموقراطية العددية، التي تعني سيطرة المسلمين على الحكم والادارة بحكم الغلبة العددية. ومطلب العلمنة الشاملة يهدف الى تعجيز التغيير والاستمرار في الوضع الراهن، لانه يتعذّر على المسلمين تطبيقه بسبب انه يطلب من المسلمين تغيير دينهم. فالعلمنة تعني قوانين واحدة لجميع المواطنين تطبق عليهم من دون تمييز، كما تعني فصل الدين وشؤونه وقوانينه عن شؤون الدولة وقوانينها، اي وضع قوانين احوال شخصية واحدة وقوانين ارث واحدة ومحاكم مدنية موحدة للبت بنزاعاتها".

ويسأل البطريرك، وكان يومها مطرانا متحمسا لفكرة الدولة المدنية "لماذا الاستمرار في طرح المطلبين التعجيزيين؟ خاصة في مرحلة من حياة لبنان تتميّز بتجذّر الطائفية والمذهبية في النفوس والممارسات واتساع نطاقهما ليشمل النواحي السياسية والادارية، ويمتد الى المساحات الجغرافية والمجتمعية والثقافية". ويضيف الراعي "لذا اذا صفت النيات لدى اصحاب المطلبين يكون الهدف الموضوعي انشاء الدولة المدنية فلا يُطرح بعد الآن موضوع الغاء الطائفية السياسية ولا موضوع العلمنة الشاملة بل استكمال انشاء الدولة المدنية، لان اساسها موجود في المسار التاريخي اللبناني وميثاق 1943 وفي وثيقة الوفاق الوطني وفي الدستور اللبناني المعدل في ضوئها سنة 1990".

تستند الدوائر الكنسية الى كل ذلك والى مقررات المجمع البطريركي الذي شدد على اهمية قيام دولة مدنية، لتعمل على بلورة فكرة هذه الدولة ومرتكزاتها الفلسفية والدستورية والقانونية والاجتماعية.

في الخلفية "اقرار واحترام لتنوعنا كلبنانيين وتعدد مجتمعاتنا وخصوصياتنا كمجموعات. لكننا نحن المنتمين الى ثقافاتنا يمكننا ان نتجاوز كل تناقضاتنا عبر مشروع الدولة المدنية بالتوافق والتراضي والاقتناع. فلا اكراه ولا انصهار وتماثل، بل تغليب للمنطق والعقل حيث تستطيع الدولة المدنية ان تستقطب كل اللبنانيين الى مشروعها، فيتعاقدون على نظام سياسي يستند الى روح الميثاق اللبناني والدستور حيث لا شرعية لاي سلطة تناقض العيش المشترك، وفي الوقت نفسه لا استقواء ولا استحواذ لاية فئة على اخرى".

وفي موقف متقدم يقول مسؤول كنسي "ان الكنيسة اللبنانية تتبنى اليوم بالكامل خيار الدولة المدنية. وهذا الخيار يوفر علينا الكثير من الصراعات التي تنتمي الى عصور بائدة. فنحن حكما ضد الدول الدينية سواء كانت مسيحية او اسلامية لان التجارب علمتنا ان مثل هذه الدول قد تصادر الله والدين وتجعلهما في مواجهة حرية الانسان، وهذا ما يتناقض مع جوهر الاديان ورسالتها".

يضيف "ان توافق اللبنانيين على قيام الدولة المدنية يحتاج الى عمل وجهد وتعزيز ثقافة هذه الدولة. لذا لا بد من برامج عمل تبدأ على كل المستويات وتطال كل شرائح المجتمع. فاذا ما اقتنع اللبنانيون بأن الدولة المدنية لا تستهدف اي فريق منهم لا بل تعمم ثقافة وقيّما مدنية يحتاجون اليها لتطور مجتمعاتهم، فقد نتمكن من الخروج من بوتقة خلافاتنا السياسية والطائفية". ويشرح "في الدولة المدنية يصبح المسؤول مسؤولا فعلا امام مواطنيه يسعى الى تأمين مصالحهم واهتماماتهم. فالدولة المدنية لا يمكن الا ان تكون دولة حقوق ومساواة تطال كل فئات الناس استنادا الى قواعد عامة ناظمة لا تخضع لمعاييرنا اللبنانية الراهنة بالتمييز".

ويختم المسؤول معلقا "قبلنا بكثير قال ارسطو "ان الدولة هي مجموعة مواطنين احرار، وليست مجموعة مؤمنين". فلنتمسك بايماننا الى اي دين انتمينا لكن لنتمسك بوطننا ولنخرج من قوقعة مخاوفنا لنعيش معا كأخوة وإلا فسنموت متفرقين كالغرباء البلهاء في دورات عنف وحقد لا تنتهي".

المصدر:
السفير

خبر عاجل