أيّا تكن صيغة البيان الوزاري الذي سيجري التوصّل إليها في ما خصّ القرار الاتهامي والمحكمة الدولية، فإنّ هناك معطيات ستترك مفاعيلها لمجرّد وجود حكومة يتمتع فيها فريق 8 آذار بثِقل وازن. ولم تكن عبثا المغامرة التي لجأ إليها هذا الفريق بإسقاط اتفاق الدوحة وإغضاب الدول التي رَعته، عندما أطاح حكومة الرئيس سعد الحريري في شكل قسري وطارئ، فهو كان في حاجة إلى الإمساك بأدوات الحكم و"تنظيفها"، إذا أمكن، استعدادا للمواجهة مع القرار الاتهامي والمحكمة، أيّا كان الثمن، وبأيّ وسيلة ممكنة.
فرص ضائعة
طوال خمسة أشهر من التجاذب حول تأليف الحكومة، حاول فريق 8 آذار أن يقيم "حكومته" بالكامل، بحيث تكون له الكلمة الفصل في أيّ شأن أمني أو عسكري أو قضائي أو مالي تفرضه تطورات المحكمة. وعندما بدأت تطلّ ملامح صدور القرار الاتهامي مجددا، سارع الى القبول بمكاسب الحد الأدنى في التأليف، كما وافق قبل ذلك على مكاسب الحد الأدنى في التكليف. فهو يومذاك لم يكن يرغب في إيصال الرئيس نجيب ميقاتي الى السراي، بل حليفه الرئيس عمر كرامي. لكن هذا التأخير في تأليف الحكومة كانت له سلبياته لفريق 8 آذار، فلقد حرمه من ان تكون له الفرصة الكافية لإجراء التغييرات المطلوبة في الاجهزة الامنية والقضائية والدبلوماسية، استعدادا للمواجهة مع القرار. فهو يبدو على وشك الصدور، فيما الحكومة لم تتمكن من إصدار بيانها الوزاري، بسبب الصراع في داخلها حول القرارات الدولية والمحكمة، وبات مُمكنا صدور القرار الاتهامي قبل البيان. ما يعني ان النقاش الدائر في لجنة الصياغة حول الشق السياسي قد يصبح اقل أهمية، إذا تأخّر الاتفاق على الصيغة المنتظرة.
الاتهام والصدمة!
في ضوء ذلك، ما هو المتوقع إذا صدر القرار الاتهامي في ظل المعطيات الراهنة؟
المعنيون بالملف يرون ان صدور القرار لن يشكّل صدمة، لا في أوساط "حزب الله" ولا في أوساط 14 آذار، بعدما تمّ نشر مضمونه في شكل "جرعات" صغيرة منذ نحو عامين وحتى اليوم. ووفق ما تمّ تسريبه عبر وسائل مختلفة، فإنّ القرار الاتهامي المنتظر في حلقته الاولى قريبا، سيسمّي بضعة عناصر من "الحزب" لا يتمتعون بمواقع مسؤولية، وقد تضاف اليهم أسماء اخرى لم تحدد. ويتم تدريجا إيراد أسماء جديدة في الإضافات المتوقعة على القرار الاتهامي بعد أسابيع أو أشهر. "حزب الله" بات في أجواء المضمون، كما سائر المعنيين. ومن البديهي ان يكون قد أقرّ سلسلة إجراءات للمواجهة. وقد اعلن الامين العام لـ "الحزب" السيد حسن نصر الله أنّ أي يد ستمتد الى أي عنصر من "الحزب" سيجري قطعها. وهذا يعني ان هناك رفضا لتسليم أي عنصر يمكن ان يكون مطلوبا. كما ان تحديد الأماكن التي قد يكون فيها هؤلاء المطلوبون يبدو متعذرا، على رغم أنّ الآليات المعنية بعملية التوقيف تقع بمعظمها، حتى اليوم، في يد الفريق القريب من "تيار المستقبل": المدعي العام سعيد ميرزا، والمدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي.
المعنيون لا يتوقعون مفاجئات في عملية تسليم المطلوبين. فالبحث عنهم يشبه البحث عن إبرة في كومة قش. وعلى الأرجح ستعود الدوريات المكلفة هذه المهمة بعبارة: "تعذّر إبلاغه". وعليه، يمكن ان تكون المحاكمات غيابية.
ويستفيد فريق 8 آذار من إزاحة وزير العدل السابق ابراهيم نجار، وتبديل وزيري الدفاع والمال، ليضمن عدم وجود وزراء يقاتلون من اجل المحكمة وهو في وضعية الحكومة الجديدة، يضمن وجود مقاتلين ضد المحكمة، أو على الأقل، وزراء يلعبون أدوارا "وسطية" إزاءها، ما يعني إمكان "تمييع" الملف من الجانب اللبناني.
القرار الاتهامي سيصدر في ظل المعطيات القائمة حاليا، ولذلك بات السيناريو المتوقع واضحا: المحكمة تقوم بعملها، والحكومة تقوم بعملها ايضا… ومعها الفريق المعني، أي "حزب الله"، فهو لن يثير أي انطباع سلبي له مع المجتمع الدولي، في ظل الظروف الصعبة إقليميا. وفي المحصّلة: تمرير المرحلة الحالية انتظارا لظروف افضل ربما، في مرحلة المحاكمات. في العام 2005، رعى الرئيس ميقاتي حلفا رباعيا أدّى عمليا الى إنقاذ أركان 8 آذار من العزلة التي كانت مفروضة عليهم داخليّا ودوليّا، ويأمل هذا الفريق اليوم في أن تكون له الرعاية للخروج من مأزق اكبر.
فهل هناك مجال للتسويات في زمن التحولات الكبرى في المنطقة؟