كتبت هيام القصيفي في "النهار": يلبّي قائد الجيش العماد جان قهوجي دعوتين رسميتين الى واشنطن وباريس للبحث مع المسؤولين الاميركيين والفرنسيين المعنيين في المساعدات العسكرية للجيش.
وتأتي الزيارة في لحظة استحقاقات يعيشها الجيش. ففي شمال لبنان يتعرض لضغط مركز سواء بالنسبة الى الحدود مع سوريا او بالنسبة الى الوضع الامني في طرابلس وعكار، او ضغط القوى السياسية المعارضة للمرة الاولى منذ حرب نهر البارد، وهي تضغط على رئيس فرع المخابرات في الشمال العميد عامر الحسن، وفي واشنطن حيث تعرض الوفد العسكري الذي زارها اخيرا لاسئلة عن تأثير"حزب الله" على الجيش. وللمرة الاولى يدخل الجيش في حوار شفاف حول موضوعين حساسين لم يعتد سابقا مقاربتهما.
ويقول المرجع العسكري الرفيع لـ"النهار" ان الزيارة المقررة تنتظر تعيين رئيس اركان جديد للجيش (وقد بدأ التوافق مبدئيا حول احد الاسماء الحائزة ثقة الاطراف المعنيين) بعد تقاعد اللواء شوقي المصري، لان قهوجي يتولى حاليا متابعة عمل رئيس الاركان. وتكتسب زيارة قهوجي لواشنطن تحديدا اهمية بارزة ولا سيما بالنسبة الى متابعة المساعدات الاميركية التي يصفها المرجع المذكور بأنها "ليست متوقفة، ولكن اشعر بأنها مجمدة"، وبعد زيارة وفد المؤسسة العسكرية للعاصمة الاميركية برئاسة اللواء عبد الرحمن شحيتلي.
ويشير المرجع الى ان الوفد العسكري شرح للمسؤولين الاميركيين وضع الجيش وما يحتاج اليه من اجل البقاء على جهوزه ودوره.
وحول ماهية الملاحظات الاميركية الحالية على الجيش وهل صحيح انهم سألوا عن تأثير "حزب الله" عليه وعلاقة الحزب بالجيش، يجيب المرجع العسكري البارز بان "الوفد سمع اسئلة من هذا النوع، لكن جواب الوفد كان واضحا، وهو ان حزب الله موجود في لبنان وفي الجنوب حيث يقاوم اسرائيل. فهل المطلوب ان يقاتل الجيش حزب الله خدمة لاسرائيل؟".
ويرفض المرجع الكلام على تأثير ضباط محددين من الطائفة الشيعية في الجيش على ادائه، ويقول: "اتحدى اي طرف لبناني او غربي ان يقول ان اي ضابط يتصرف على هواه في الجيش او انه قادر على ان يحرك قطعة او عسكريا الا بامر من القيادة. اما بالنسبة الى الضباط فهم شأنهم شأن ضباط الجيش جميعا، ضباط لبنانيون يأتمرون باوامر المؤسسة وليس باوامر الطوائف ولا الاحزاب، والا لما كان الجيش نجح في مهماته، والامثلة على ذلك كثير ومنها تدخله في سجن رومية والاتصالات، ولما كانت المؤسسات والوزارات تطلب مؤازرة الجيش".
ويقول ان "زيارة واشنطن المرتقبة تهدف الى التأكيد ان الجيش على مسافة من الجميع ولا ينحاز الى اي طرف. والاميركيون يعرفون الواقع اللبناني، وان حزب الله لبناني وابن هذه الارض، وان السلاح موجود، وهم يعرفون ان اداء الجيش كان عظيما. لكن اسئلتهم تتركز على المرحلة المقبلة، سواء بالنسبة الى دور الحكومة الجديد او تأثير وزير الدفاع على دور الجيش وموقعه. وأسأل هل المطلوب ان يقوم الجيش بحرب مع الحزب خدمة لاسرائيل؟ واذا اراد الاميركيون ترك الجيش وعدم تعزيز وضعه، فما هو البديل؟ زيارة واشنطن هي للتأكيد ان الجيش هو الاستثمار الحقيقي لضبط الوضع الامني في لبنان. وهم يتريثون في انتظار معرفة آفاق المرحلة المقبلة بعد تشكيل الحكومة".
الجيش في طرابلس وعكار
في الآونة الاخيرة بدأ الجيش يتعرض شمالا لحملة ضغط من المعارضة، لا تشبه حالة الاحتضان التي عرفها يوم اندلعت حوادث نهر البارد. فكيف يتعامل الجيش مع التطورات شمالا، من عكار حيث تفاقم موضوع اللاجئين السوريين وصولا الى طرابلس حيث اندلعت اشتباكات اخيرة تدخل الجيش لفضها؟
ويؤكد المرجع العسكري الابرز ان "طريقة تعامل المواطنين وأهل الشمال مع الجيش لم تتبدل لحظة، ولا يزالون يحتضنون الجيش كما حصل اثناء معركة نهر البارد. لكن المشكلة تكمن في الحقن الطائفي والمذهبي الذي يمارسه بعض الاطراف السياسيين. فكل طرف يريد ان يشد الجيش في اتجاهه، ونحو الاجندة السياسية التي يريدها. هدفنا منع اثارة الفتنة، ونحن مؤمنون بأن المواطنين معنا ومع الجيش وقد هالتهم الخسائر الاخيرة".
ويشرح ان الجيش لم يتأخر في دخول طرابلس، واعد خطة لذلك منذ اللحظة الاولى. وفي موازاة الاتصالات التي كان يجريها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بدأ الجيش تحركه، لكنه كان يريد تجنيب القوة العسكرية التي كانت موجودة في شارع سوريا ناري الطرفين المتقاتلين. لذلك استلزمت الاتصالات وقتا، لكننا اعطينا اوامر واضحة وابلغنا جميع الاطراف ان الجيش سيرد على مصادر النار من اي مكان انطلقت، وسيوقف الفتنة، ولو اضطر الى استخدام القوة بكل اشكالها كما حصل في المناطق الاخرى، وسيلقي القبض على اي طرف او شخص مهما كان يحاول عرقلة انتشار الجيش. فالجيش لم يقصر ولم يؤذ احدا، بل ان تصرف العسكر انقد المنطقة من مجزرة".
ويسهب المرجع في شرح آلية تحرك الجيش التي بدأت في جبل محسن كونه النقطة الاعلى، مما يسمح بالتحكم في منطقة باب التبانة التي كان رئيس الحكومة قد اجرى اتصالات بفعالياتها لضبط الوضع فيها. ويقول ان الجيش اطلق نحو 40 الف طلقة قبل ان يتمكن من احكام سيطرته.
حاليا ينتشر الجيش في طرابلس "بقوة كافية اذ ثمة فوج التدخل الثالث وجزء من اللواء العاشر وسريتان من مغاوير البحر". لكنه يبدي خشية من عدم وجود وفاق سياسي في طرابلس لمنع الفتنة، ويقول ان "الجمر تحت الرماد، والوفاق السياسي في المدينة ضروري لكبح الفتنة، فاذا انفرط الوضع فيها سينعكس ذلك على كل الشمال من عكار الى الساحل".
اما عن طرابلس مدينة منزوعة السلاح فيجيب: "الجيش يريد ان ينزع السلاح من الجميع، فهذا حل مثالي لجميع المناطق، لكن الامر منوط بالقرار السياسي. اما وقد اصبح لنا حكومة، فعلى القيادة السياسية ان تتصرف. وبالنسبة الى الجيش فهو لن يتهاون في اي خلل امني مهما يكن حجمه وأينما وقع على كل الاراضي اللبنانية".
ويؤكد ان "المشكلة ليست على الحدود انما مع السياسيين الذي يريدون تلبية مطالب معينة. الجيش واضح في تحركه لضبط الحدود، وقد نشر حاليا في عكار اللواء الثاني كاملا مع سريتين مجوقلتين وفوج الحدود البرية". ويقول ان الجيش "اعاد الانتشار، وركز وفق الامكانات التي لديه ورغم نقص العديد والعتاد، نقاط مراقبة على الحدود. ولم يمنع دخول اي من اللاجئين السوريين الى المنطقة، وغالبيتهم من الذين لديهم اقرباء في لبنان، او يعالجون في مستشفيات المنطقة. وقد اتخذ الاجراءات المناسبة لضبط الوضع على الحدود، واي مسلح لم يتخط الحدود". وينفي في شكل مطلق الاتهامات بان الجيش السوري دخل لبنان عبر الحدود البرية ويؤكد ان "اي جندي سوري لم يتخط الحدود اللبنانية".
وبالوصول الى الضغوط التي يتعرض لها رئيس فرع المخابرات شمالا والاتهامات الموجهة اليه، يؤكد المرجع العسكري ان "الحسن ضابط حازم، واؤكد انه لم ينحز الى اي فريق، وهو على مسافة واحدة من الجميع، وينفذ القانون، لكن كل فريق سياسي يريده ان ينحاز اليه او حتى ان ينفذ له طلبات خاصة. واتحدى اي طرف ان يقول لنا اين اخطأ الحسن، هو ضابط لبناني مليون في المئة ولم يخرج عن اوامر القيادة مرة او يتصرف وفق رغباته، شأنه شأن جميع ضباط الجيش. فالمشكلة ليست مع الضباط بل مع السياسيين الذي يريدون ان ينفذ الضباط رغباتهم".