مرةً جديدة تنجح "القوات اللبنانية" في تظهير صورتها على نحو مؤسسة باتجاه المستقبل، وحاضنة لقضية شعبٍ ووطن، قضية فاق عمرها ثلاثة عقود من الزمن، فكبرت ولم تشيخ، حققت جزءاً من الأحلام وجزءاً قيد الإنجاز.
نعم، "القوات اللبنانية" لامست وجدان كل أحرار لبنان حيث قرأت كلمات ورسائل كُتبت بالدماء في حينه، لذا وقفت حين استدعى الواجب لمنع الدولة من الانهيار وهادنت حين لاح في الأفق بريق سلام، ولم تؤمن إلاّ بالدولة وحدها ملاذاً وخشبة خلاص، وما زالت حتى اليوم تُعتبر سنداً لكل مسيحيي الشرق ومحجّاً يفيء إليها جميع العطشى إلى اقتباس المقاومة الحقة وإلى ممارسة حرية التعبير وإبداء الرأي الحرّ والكلمة المسؤولة.
كل ذلك بفضل الوعي السائد بين صفوف المناصرين والمؤيدين، فكيف إذا امتزج هذا الوعي واقترن مع نضج رجلٍ زاهدٍ بمركز يعتليه، بقدر ما هو متمسك بتعديل هذا النموذج من حزبٍ استدعت الظروف تركيبته الحالية إلى حزبٍ يتمتع بنظامٍ صارمٍ ومرنٍ في آنٍ إضافة إلى أنه حضاريٌّ وراقيٌ وحتماً قبلة أنظار المهتمين حيث تنفرد فيه "القوات اللبنانية" في لبنان والشرق لتكون عن جدارة وكفاءة حزباً ديمقراطياً رائداً في لبنان والمنطقة… والعالم.
والمفارقة تكمن أنه في الوقت الذي يسعى بعض الحكام إلى تمديد مدة حكمهم بالحديد والنار وبنهرٍ من الدماء غير آبهين بأنظمة أو قوانين، يقابله في لبنان ازدهار غير مسبوق ودعم مطلق لظاهرة "التوريث السياسي" أو لما يُعرف بـ"صلة القربى" التي أصبحت عند بعضهم وكأنها جزءاً من مقدمة الدستور حتى بات تشكيل الحكومات لا يكتمل إلاّ "بزينة الراسبين" في الانتخابات النيابية.
فبالرغم من المشهد النافر أعلاه الذي يبيح نحر القوانين والدوس على الكفاءات، بدت "القوات اللبنانية" كظاهرةٍ تدور في غير فلكها، ترسم، تُخطط، تنظّم، تُعدّ العدة لإطلاق حزبٍ عملاق يقوم على الالتزام ويليق بحضارة شعبٍ ووطن.
فهنيئاً لك يا لبنان بهذه المؤسسة العملاقة التي رفضت إلاّ أن تقدّم خيرة شبابها لخير الوطن في زمن الحرب، واليوم ترفض أن تكون إلاّ قدوةً ومنارةً في زمن السلم. هذه المؤسسة تضم رجالاتٍ للصعاب وكفاءاتٍ نرفض استخدامها إلاّ فوق هذا التراب الممزوج بعرق الجبين ودماء الشهداء.
وإلى أيامٍ أخرى باتجاه المستقبل… مستقبل يليق بالذين رحلوا لنبقى… ويليق بالذين أصرّوا على البقاء لنحيا.
وهنيئاً لك يا "منتصب القامة"، يا مَن تقرأ بين الكلمات والسطور تارةً وطوراً تقرأ حروفاً مبعثرة غير مفهومة، فتُجيد جمعها والتدقيق بها والتمعّن فيها.
هنيئاً لك يا مَن نجحتَ مجدداً في إضافة صفحة مُضيئة إلى صفحات تاريخ لبنان المجيدة لأنك خير مَن يعرف أن التاريخ يُصنع اليوم .. ويُكتب غداً… ويُدرّس بعد غدٍ.
هنيئاً لك يا مَن اقترن اسمه بفخر الصناعة … صناعة التاريخ … تاريخ لبنان.