#adsense

الوجود المسيحي العربي يكون بالانخراط في الربيع الثوري العربي

حجم الخط

ثمّة رأي نافذ ينتشر بشكل ملحوظ، إنّما على نحو متفاوت، بين مختلف الجماعات المسيحيّة في العالم العربيّ اليوم، ويبدي قلقاً من أن يؤدي انهيار الأنظمة السلطوية إلى تعريض الوجود المسيحيّ في الشرق إلى خطر مضاعف.
وبطبيعة الحال، تختلف الاستنتاجات العملية للآخذين بهذا الرأي تبعاً لاختلاف سياسات التعاطي مع الأقليّات المسيحيّة بين هذا النظام السلطوي أو ذاك، وتبعاً لاختلاف طبيعة القوى الأهلية والتشكيلات السياسية التي تشكّل النسيج الإنتفاضيّ في كل مجتمع وموقف هذه القوى والتشكيلات، أمس واليوم، من المسيحيين ووجودهم ودورهم.

كذلك الأمر، تختلف هذه الاستنتاجات العملية المنطلقة من هذا الرأي إن جرى النظر إلى هذه الأنظمة السلطوية على أنّها آيلة إلى سقوط أم أنّها ستبعث حيّة ترزق من بعد ترنّحها، وإذا كانت المرحلة الإنتقالية ستفضي إلى بزوغ عصر الديموقراطيات العربية، أم أنّها ستنقلنا من الإستبداد المستقرّ إلى الفوضى المستبدّة.

من هنا، فإنّ الغالب على الآخذين بهذا الرأي هو المواءمة بين شديد قلقهم من التطوّرات الحالية، مع الدعوة بشكل أو بآخر إلى ما يحسبونه فضيلة "الوقوف على الحياد". في حين تتطوّع قلّة من أهل هذا الرأي إلى افتراض أنّ الأنظمة السلطوية أو بالأحرى النظام السلطويّ الذي يعنيهم ليس آيلاً إلى السقوط وبالتالي فإنّ مناصرته والدفاع عنه وفك كربه هي أمور باتت فرض عين على كلّ مسيحيّ عربيّ. لا بل المؤسف أنّ بعض المغالين في هذا الإتجاه يخافون في بلد عربيّ معيّن على نظام سلطويّ دمويّ يترنّح تحت ضربات انتفاضة شعبه.

إنّنا ندّعي بأنّ ما نرسمه هنا هو جزء من المشهد العام، وكما أنّ ثورات الربيع العربيّ ليست مؤامرة في شيء بل هي أعظم تكذيب لنظرية المؤامرة البائسة، فإنّ الخوف على المصير لدى المسيحيين العرب، المعبَّر عنه أيضاً من خلال هذا الرأي الذي يربط بين استقرار معاشهم وبين الأنظمة السلطويّة، لا يصدر عن مؤامرة.. هذا طبعاً، بصرف النظر عن جنوح بعض المسيحيين العرب إلى التعبير عن هذا الخوف أو عن هذا الرأي بمصطلحات وتخريجات مستقدمة من نظرية المؤامرة.

كذلك ندّعي بأنّ هذا الخوف المعبّر عنه من خلال هذا الرأي، وهذا الرأي يصل بالبعض إلى الشطط كما أسلفنا، لا يماثل "الحالة العونية" كما نعرفها في لبنان، وإن كانت هناك عناصر تشابه غير قليلة. فالرأي الذي ينتشر خارج لبنان بين مسيحيي العالم العربي ويبدي قلقه على المصير في ضوء تخلّع الأنظمة السلطوية، بل ينزلق بعض متبعيه إلى الربط بين مصير هذه الأنظمة ومصير الأقليات المسيحية، فلا يضع تصوّراً لتحالف أقليّات في إطار إمبراطوريّة ممانعة، ولا هو ينطلق أساساً من مخالفة لتاريخ مشابه للتاريخ الماروني، أي تاريخ مزدوج الإنتماء إلى الكثلكة ومقدمات الحداثة من جهة وإلى العروبة اللسانية والحضارية من جهة ثانية، وإنّما هو يعيد إنتاج غرائز ذمّية تقليدية.

مع ذلك، فإنّ خطورة هذا الرأي على الوجود المسيحيّ تزيد على خطورة "الحالة العونية" اليوم. لأن التنظير لحاجة الأقليات إلى مهادنة الأنظمة السلطوية شيء، والتنظير إلى وجوب استمرار هذه المهادنة في مرحلة تستبيح فيها هذا الأنظمة دماء شعبها وتفرض نظام فصل فئوي دمويّ هو شيء مختلف تماماً، خصوصاً وأنّنا هنا أمام أقليات دينية، وبالتالي فإن السمة الدينية لهذه الأقليات المسيحية لا تستقيم مع جواز الصمت على المجازر ضدّ الإنسانية. بالعكس تماماً، لا يكون المسيحيّون اسماً على مسمّى اليوم إلا إنْ هم جمعوا بين قلقهم المشروع طبعاً أمام التحديات التي يفرضها ربيع عربي تلعب فيه التيّارات الخارجة من المدرسة الإخوانية دوراً محورياً إن لم يكن مركزياً، وبين دورهم التاريخيّ المفترض. وهذا الدور يتجاوز ثنائية التخيير بين الانعزال في "غيتو" أو الذوبان في "الإندماج"، للمطالبة بوحدة الشخصية الكيانية المسيحية في كل مجتمع عربيّ، كشخصية طليعية تنويرية بالدرجة الأولى، مرتبطة من ناحية بالتاريخ القديم للمنطقة أكثر من سواها، ومرتبطة من ناحية أخرى بالخيارات الأساسية للحداثة.

ومن البديهيّ هنا، أنّ المؤسسات والمناخات الحاكمة للجماعات المسيحية في العالم العربيّ اليوم غير قادرة على ايفاء هذه الشخصية الكيانية المسيحية حقّها، فكما أنّ العالم العربيّ دخل في ربيع الثورات في حين أن الفكر تراجع إلى ما قبل مرحلة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، فإنّ المسيحيين يواجهون هذه التحدّيات ليس برموز مثل بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وشبلي شميل وفرح انطون، وعلى رأس مؤسساتهم الروحية ينبغي الإعتراف بأنّ قامة تاريخية مثل البطريرك مار نصر الله بطرس صفير ستبقى استثناء إلى عقود مديدة آتية.

رغم ذلك كلّه، ورغم جديّة الخوف لدى المسيحيين العرب من "النموذج العراقي" وما تبعه، ورغم جديّة القلق الذي تطرحه "المسألة القبطية"، فإنّه ليس هناك إلا خياران: خيار إذ يربط الوجود المسيحيّ بالأنظمة السلطوية فإنّه يحكم على هذا الوجود بالانفصال عن جوهر المسيحية أولاً، وعن العالم المسيحيّ ثانياً، فضلاً عن خطورة هذا الربط بمعيار المصلحة الاجتماعية والسياسية. وخيار يربط في المقابل استعادة الوجود المسيحي لشخصيته الكيانية الطليعية بالانخراط في عقد الثورة الديموقراطية العربية العظمى لعام 2011.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل