الرئيس السنيورة برهن عن قدرات وشجاعة ووطنية خلال الحرب على لبنان صيف 2006 وطوال الأشهر الثمانية عشر للاعتصام المشين في وسط بيروت بحيث بات لا يحتاج الى إطراء وتقدير من أحد، وان يكن يواجه بسبب موقعه السياسي رئيساً لكتلة فاعلة في مجلس النواب تهجمات كثيرة ومتنوعة من هنا وهنالك.
فؤاد السنيورة له دور دون شك في التصدي لحملات التشويه لمسيرة رفعت لبنان من بين الانقاض ووفرت لاهله مطاراً وطريق مطار تختصر المسافة الى وسط بيروت لدقائق وحرماً متكاملاً للجامعة اللبنانية وأملاً متجدّدا لدى 35 الف طالب جامعي حازوا علومهم في مختلف انحاء العالم من برنامج للمنح لم يشهد العالم الحديث ما يماثله.
في مقابل كل ذلك والاقرار الضمني والضميري بان ما تحقق خلال قيادة رفيق الحريري للشأن العام انجاز لم يشهد لبنان مثله في أي وقت من تاريخه الحديث، لا بد من التأكيد ان الرئيس السنيورة يواجه امتحاناً سيكون هو الاهم في مسيرته المهنية والسياسية.
هذا الامتحان الذي له مضاعفات على صعيد الوطن، وسمعته، وصحة اهله، هو امتحان التصدي لمشكلة مكب صيدا التي صارت في الحقيقة مشكلة وطنية ووصمة على سمعة لبنان كبلد يتمتع بطبيعة خلابة ويفترض ان تمارس مؤسساته نشاطات لحفظ النظافة والبيئة توازي ما يمكن مشاهدته وملامسته في بلدان عدة على شواطئ المتوسط.
صيدا مدينة تاريخية لها موقعها الجغرافي المتميز وقلعتها وشواطئها واسواقها الداخلية حيث شاهدنا جهوداً كبيرة من عائلات معروفة لاعادة مواصفات بيوتها التاريخية ورهجتها.
وصيدا هذه رممت خان الافرنج وجعلته مقصداً للسياحة والتعرف على وجه من التعايش في تاريخ لبنان القريب والبعيد، وخان الافرنج افسح في جوانبه لحفلات موسيقية ومسرحية راقية.
هذه المدينة العريقة والفريدة تعرضت لتدمير منهجي على أيدي الإسرائيليين، وقد استطاعت بجهود ابنائها استعادة حيويتها وخصائصها بسرعة بعد الانسحاب الإسرائيلي من صيدا ومحيطها.
لكن صيدا شهدت ولا تزال مأساة بيئية وصحية تتمثل بجبل النفايات التي تشمل، الى القناني البلاستيك والردميات، حيوانات نافقة وقد باتت الروائح المنبعثة من مكب صيدا بالغة الازعاج والضرر لاهل المدينة وزوارها.
روائح مكب صيدا وبشاعته تبعد المستثمرين عن المشاريع العقارية في محيطه، كما تبعد الزوار عن قلعة صيدا التي بدأت تشكو من تأثيرات المكب وتطوير مرفأ صيدا أمر مستحيل ما دام المكب على كتفه. فالاضرار اقتصادية وبيئية في آن واحد.
وتراكم النفايات والحيوانات النافقة دون حائط احتواء او حماية جعل المكب أكبر مصدر لتلوث المياه البحرية في لبنان. ومن يشاهد المكب عن قرب ويراقب انسياب النفايات الى البحر ويتابع التيارات يدرك ان هذه النفايات، اضافة الى غيرها من النفايات التي ترمى في البحر، تلوث جميع الشواطئ اللبنانية. وبالفعل تفيد دراسة مياه الشواطئ عن نسب تلوث مخيفة.
وكثافة التلوث وتقلبات الامواج والتيارات حملت بعضاً من نفاياتنا الى الشواطىء القبرصية وقد شكا القبارصة من هذا التأثير السيئ على شواطئهم وسياحتهم التي تجتذب الراغبين في السباحة، والشمس، والرياضات البحرية من مختلف بقاع الارض، واهم بلدان السياح هي البلدان الاوروبية.
مخاطر مكب صيدا وبشاعته استقطبت الاهتمام الغربي والدولي، وقد توافرت لبلدية صيدا اموال لمعالجة مخاطر المكب ومحاصرتها ومن ثم الاستفادة من توليد الكهرباء من النفايات من مصادر السعودية، لكن رئيس البلدية السابق الدكتور بزري الذي كان على خلاف مع فريق “المستقبل” لم يتوصل الى تحريك اعمال المعالجة والتنقية والاستفادة من النفايات لتوليد الطاقة، وكان يقول ان مساعيه تواجه عوائق تعجيزية. ولسنا هنا في وارد التحقق من المسؤولية عن التقاعس، بل نحن على حافة ادراك ما اذا كان لبنان حضارياً، ام بلداً متخلفاً على الصعيدين الصحي والبيئي.
وفؤاد السنيورة بات المؤتمن على اموال توافرت لانجاز مشروع حديث المواصفات والتوجهات، وحسب ما نسمع ودون معرفة، رئيس البلدية الجديد ذو خبرة في الاعمال الهندسية والمبادرات، ولا شك في ان الرئيس السنيورة ورئيس بلدية صيدا يحظيان بدعم السيدة بهية الحريري التي اظهرت قدرة مميزة في وزارة التربية، كما في ادارة شؤون مؤسسة الحريري.
ان الخطر البيئي والتردي المعماري في صيدا نتيجة المكب، اذا لم يعالجا بفعالية وسرعة وبموجب برنامج واضح ليس فقط لاهل صيدا، بل للبنانيين عموماً، ولزوار لبنان، سيطيح الانجازات المحققة سياسياً وامنياً واقتصادياً بقيادة الرئيس السنيورة.
ان معالجة المكب هي الامتحان الأهم والذي يعني أكبر شريحة من اللبنانيين، والنجاح في المعالجة يعيد صورة لبنان الى موكب الحضارة، وعلى العكس استمرار الاخفاق في هذه العملية المتأخرة سيكون الدليل الساطع على أن تسييس الأمور يطيح آمال اللبنانيين ومستقبلهم.