كتبت لينا فخرالدين في صحيفة "اللواء": في "فورمولا" الإستحقاقات اللبنانية نجح البيان الوزاري في أن يحلّ بالمرتبة الأولى بفارق ساعات قليلة من وصول القرار الإتهامي إلى حلبة الصراع السياسي والذي سرعان ما "انتزع اللقب" وخطف كل الأضواء الإعلامية والسياسية من وهج البيان الوزاري. ولأن "مطر لاهاي" لم يكن مفاجئاً بل أنذرت به "أحوال الطقس" السياسية منذ ما يقارب الأسبوع، كانت اللجنة الوزارية المكلّفة بصوغ البيان الوزاري قد ضبطت عقارب ساعتها بدقة وبرمجت جدول أعمالها حتى تأتي كلمة سرّ الإتفاق بين القوى السياسية المعنية قبل أن يحطّ القرار الإتهامي رحاله في قصر العدل.
وعلى الرغم من كل التشاؤم الذي أحيط بأجواء اجتماعات اللجنة منذ مطلع الأسبوع وتمسك "حزب الله" برفض إدراج بند المحكمة الدولية في البيان، إلا أن اتصالات اليوم الأخير استطاعت أن تنشل صيغة المحكمة التوافقية من رحم الخلافات قبل فوات الأوان.
وفي التفاصيل، فإن الحكومة قد دخلت ليل الثلاثاء الماضي في نفق الفشل خصوصاً وأن المدة المحددة لصوغ البيان وصلت إلى عتبة النصف أي الخمسة عشر يوماً وبعد أن رفض "حزب الله" في الليلة نفسها صيغة تتعلّق بالمحكمة كان قد قدمها رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي. غير أن الأمل في وصول قارب النجاة قبل "عاصفة لاهاي" عاد إلى الحياة نهار الأربعاء، بعد أن أعاد ميقاتي الإتصالات في ساعات الصباح الأولى وبحث مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس "جبهة النضال الوطني" وليد جنبلاط في الحلول القائمة فأعاد "الثلاثيّ" (اي بري ميقاتي وجنبلاط) صياغة ثانية بديلة عن "صيغة الثلاثاء" وتعهّد بري يإقناع "حزب الله" الذي سرعان ما أوكله التفاوض باسمه مع ميقاتي.
وعند الظهر، كانت كل الإشارات إيجابية والإتصالات على نار حامية، غير أن "حزب الله" لم يكن قد وافق على الصيغة الجديدة بشكل تام فاتفقت كل القوى المعنية على إرجاء جلسة صياغة البيان الوزاري إلى الساعة السابعة بدلاً من الرابعة حتى "تختمر" الصيغة على نار "حزب الله". غير أن الساعات بدأت تمرّ تلو الساعات فحمل وزير الشؤون الإجتماعية وائل أبو فاعور رسالة "جنبلاطية" إلى مائدة ميقاتي حيث تناولا الغداء واستكمل أبو فاعور الإتصالات. وعند الساعة السادسة والنصف تقريباً أتت كلمة السرّ من "عراب الحكومة الميقاتية" نبيه بري الذي أبلغ ميقاتي موافقة "حزب الله" على صيغة المحكمة ولكن "بتصرّف" إذ عدّل الحزب على الصيغة تعديلاً بسيطاً.
حينها حمل الوزراء أعضاء اللجنة أوراقهم وحقائبهم واستقلّوا سياراتهم متوجهين إلى السراي الحكومي بوجوه ضاحكة تشبه إلى حدّ كبير وجوه طلاب في يومهم الدراسي الأخير، مجمعين في دردشاتهم مع الصحافيين بعبارة الأمل موقعة بـ"غمزٍ ولمز"، وبعد ساعتين ونصف الساعة من الإنتظار خرج وزير الطاقة والمياه جبران باسيل مطلقاً على الحكومة لقب "حكومة كل أسبوع مبروك"، وبعدها بدأ الوزراء جميعهم بالخروج من السراي الحكومي راسمين على وجوههم "علامات النصر"، وحده وزير الدولة للشؤون الإدارية محمد فنيش بدا وكأنه غير راضٍ على اجتماع اللجنة الأخير وعند سؤاله ينفي ذلك بقوله:"اتفقنا، وأنا مرتاح"، غير أنه يشتعل غضباً لمجرد سؤاله إن كانت الصيغة ترضي المجتمع الدولي نافياً "أن يكون هناك شيء إسمه مجتمع دولي".
ولكن ضحك فنيش أو عبس، فإن "حزب الله" وضع بصمته على بيانٍ وزاري كُتبت في إحدى صفحاته عبارة محكمة دولية خصوصاً بعد رفضه التام لإدراجها ورفض ميقاتي من جهة ثانية ترؤس حكومة لا يتضمّن بيانها الوزاري فقرة عن المحكمة الدولية مما ينتج ذلك تحوّله من رئيس حكومة إلى مدافعٍ عن "مرمى" رصيده السياسي يصدّ هجمات محلية من "قوى 14 آذار" والشارع السني تحديداً ومن "رصاص" المجتمع الدولي.
وتشير المعلومات المتوافرة لـ"اللواء" إلى أن "حزب الله" نفسه كان منقسماً على ذاته في هذه النقطة إذ كان هناك فريق يرفض إدراج المحكمة الدولية في البيان الوزاري وفريق آخر يرفض عدم إدراجها بغية التأكيد على أن حكومة ميقاتي ليست "حكومة حزب الله" وإنما هي حكومة كل لبنان. غير أن الفريق الأخير لم يكن قادراً على ترويج وجهة نظره داخل صفوف الحزب إنما شكّلت المعلومات المؤكدة عن تسلّم لبنان نسخة من القرار الإتهامي بعد ساعات، عاملاً ضاغطاً أعاد خلط كل أوراق "حزب الله" في هذا الشأن، وتؤكد مصادر مطلعة على أن "حزب الله" لم يكن قد يعطي موافقته على صيغة المحكمة لو لم يكن لدية معلومات مؤكدة عن صدور القرار الإتهامي في اليوم التالي، لافتةً إلى أن الحزب تخوّف من أن "تطير" الحكومة وبيانها متأثرةً بـ"رياح لاهاي" من جهة، ومخافةً من أن يقلب القرار الإتهامي الموازين السياسية في البلاد لصالح "قوى 14 آذار" من جهة ثانية، فلم يكن أمامه إلا "التصديق" على الصيغة المقدمة له من قبل ميقاتي مدخلاً عليها تعديلاً "يحفظ ماء الوجه".
وتشير المعلومات إلى أن "حزب الله" ومعه القوى المشاركة في الحكومة يسعون إلى تأجيل جلسة الثقة في مجلس النواب ريثما تكون قد "امتصت" ذيول صدور القرار الإتهامي من جهة وعدم بحثه في جلسة مخصصة لمجلس الوزراء، ما يعني أن تحديد جلسة لمجلس النواب لن يكون إلا على الأقل بعد نهار الثلاثاء القادم.