القصة لم تبدأ بالتأكيد مع قضية الزيت الذي كان يتم توزيعه في مراكز "جمعية بيروت للتنمية"، وتوقيف المسؤولين عن توزيعه، ولكن الجو العام الذي حمل عدائية للرئيس الشهيد رفيق الحريري والذي قام به حلفاء "النظام الأمني المشترك اللبناني ـ السوري"، منذ نهاية العام 2004 وبداية العام 2005، أدى بالتأكيد إلى إنشاء "بيئة حاضنة لعملية الاغتيال". يوم 14 شباط 2005 حين دوى الانفجار الكبير في ساحة "السان جورج"، لم يكن أحد من اللبنانيين يفكر بمحكمة دولية أو تحقيق دولي، ولكن مساء ذلك اليوم بدأ اللبنانيون بالمطالبة بلجنة تحقيق دولية، بعد اجتماع قوى المعارضة اللبنانية في منزل الرئيس الشهيد في قريطم وإصدارهم بيان المعارضة الذي وجه أصابع الاتهام إلى "النظام الأمني" وطالب بلجنة تحقيق دولية.
خلال الأيام الأولى للتحركات الشعبية في ساحات بيروت، بدأ بعض الشبان والصبايا حملة جمع تواقيع للمطالبة بلجنة تحقيق دولية في عملية اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه. من أمام موقع الانفجار في "السان جورج" وقعت الأوراق الأولى، وكرت السبحة. آلاف المواطنين قرروا أن يطالبوا بتحقيق جدي ونزيه بعيداً عن "النظام الأمني المشترك اللبناني ـ السوري"، لأن الكل كان متخوفاً من التحقيق الذي سيقوم به هذا "الجهاز". أرسلت الأمم المتحدة إلى بيروت "لجنة تقصي الحقائق الدولية" برئاسة الإيرلندي بيتر فيتزجيرالد، لمعرفة ما إذا كانت الظروف تحتمل لجنة تحقيق دولية أم لا. وبعد مجيء اللجنة إلى بيروت واطلاعها على الظروف والأوضاع ومحاولات تخريب موقع "الجريمة" وقيامها بتحقيق أولي وصلت إلى خلاصة مفادها "في أسوأ الحالات، الحكومتان اللبنانية والسورية هما في قفص الاتهام، وفي أحسن الحالات هما في دائرة الشبهات".
وزّع التقرير في الأمم المتحدة ووصل إلى بيروت، واعتبر يومها واحداً من أقوى تقارير الأمم المتحدة على الإطلاق، ومهد الطريق لقرار من مجلس الأمن الدولي بإجراء تحقيق دولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد ورفاقه. التقرير استنتج أن الأجهزة اللبنانية والسورية ساهمت في عدم تأمين مستوى أمني مقبول للمواطنين في لبنان وفي إشاعة ثقافة التخويف والإفلات من العقاب.
تقرير رئيس اللجنة فيتزجيرالد لم يوجه اتهاماً صريحاً الى أي من الطرفين، اللبناني أو السوري، بالمسؤولية عن جريمة الاغتيال. إلا أنه مع ذلك لم يبرئهما وأثار شكوكاً كثيرة حول دورهما، وطالب باستعادة أجهزة الأمن اللبنانية نزاهتها واستقلاليتها.
بعد تقرير فيتزجيرالد أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1595 في العام 2005 والقاضي بتأليف لجنة تحقيق دولية، وتم تسمية رئيس لها هو المحقق الدولي ديتليف ميليس، الذي قام بتحقيق كبير توصل في نهايته إلى نتائج مهمة، أدت إلى إصداره تقريرين، وقدم بعدها استقالته من اللجنة وسلم رئاسة التحقيق إلى القاضي البلجيكي سيرج براميرتس.
في 12 كانون الأول العام 2005 طلبت الحكومة اللبنانية من الأمم المتحدة تشكيل محكمة خاصة باغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وما تلاه من عمليات اغتيال سياسي.
في هذا الوقت أعلن براميرتس المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية قبوله تولي رئاسة لجنة التحقيق الدولية خلفاً لميليس، مشترطاً بدوره أن تكون مدة مهمته 6 أشهر فقط.
مهمة براميرتس طالت أكثر من ذلك وتوالت تقاريره التي أكد فيها إمساكه بعدد من الخيوط التي ستؤدي إلى كشف المجرمين من دون أن يكشف عن تفاصيل مهمة في عمليته. نجاح الرجل في مهمته "الصامتة" جعله يتقدم إلى موقع مدعي عام المحكمة الدولية من أجل يوغوسلافيا السابقة، فقدم استقالته من لجنة التحقيق، وسلم الملفات الى خلفه القاضي الكندي دانيال بلمار.
انتقال موزون وثابت ومستمر بين مرحلتي التحقيق والمحاكمة، هكذا اعتبرت مرحلة دانيال بلمار في رئاسة لجنة التحقيق الدولية، وبعدها مهام الادعاء العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان. فالتسليم والتسلم بين براميرتس وبلمار سمحا للأخير بالاطلاع على مسار التحقيق والغوص في تفاصيله، الأمر الذي أهله لاستكماله من جهة ولمتابعة نتائجه كمدعٍ عام لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لاحقاً من جهة ثانية.
يومها قيل عن بلمار "إن المجيء بشخص قضى معظم حياته الاحترافية في وظيفة الادعاء العام والتنسيق الدولي لاسترداد المطلوبين ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، له دلالات عدة، سواء لناحية شبه انتهاء التحقيق أو لناحية الدور الذي سيضطلع به المدعي العام لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وربما هذه السلاسة وهذا الهدوء الذي تتمّ فيه أعمال التحضير لتسلّم المحكمة ملف لجنة التحقيق الضخم ليس في حقيقة الأمر إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة".
عمل بلمار وفريقه بصمت في التحقيقات وأعاد تأكيد الكثير من التحقيقات التي قام بها سلفاه ميليس وبراميرتس، وزاد عليها تحقيقات جديدة، وقام بإصدار تقارير عدة ليصل في النهاية إلى تأكيد العمل على بناء "المحكمة الخاصة بلبنان". وعملاً بقرار مجلس الأمن 1664 في العام 2006، تفاوضت الأمم المتحدة والدولة اللبنانية على اتفاق إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان. وبعد صدور القرار 1757 عن مجلس الأمن بتاريخ 30 أيار 2007، دخلت أحكام الوثيقة المرفقة بالقرار والنظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان المرفق بالقرار أيضاً، حيّز النفاذ بتاريخ 10 حزيران 2007.
المحكمة
دخل قانون إنشاء المحكمة حيز التنفيذ في 10 حزيران 2007، وعقدت المحكمة أولى جلساتها العلنية في مدينة لاهاي الهولندية في آذار 2009.
وتتمثل ولاية المحكمة في مقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الانفجار، ويمكن توسيع اختصاصها إذا رأت أنّ هجمات أخرى وقعت في لبنان خلال الفترة الواقعة بين 1 تشرين الأول 2004 و12 كانون الأول 2005 هي هجمات متلازمة، وأن طبيعتها وخطورتها مماثلتان لطبيعة هجوم 14 شباط وخطورته.
كما يمكن إدراج الجرائم المرتكبة بعد 12 كانون الأول 2005 ضمن اختصاص المحكمة، إذا قررت الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة ذلك وبموافقة مجلس الأمن.
وتعمل هذه المحكمة ـ على خلاف جميع المحاكم الدولية ـ بمقتضى نظام هجين مستمد من القانون الجنائي اللبناني وقضاء لبناني دولي مختلط، بناءً على شروط الحكومة اللبنانية نظراً الى الحساسية السياسية للقضية.
هيئة المحكمة
يتولى القاضي بلمار وظيفة المدعي العام للمحكمة، فيما تتكون هيئة المحكمة من القضاة: الإيطالي أنطونيو كاسيزي رئيساً، اللبناني رالف رياشي نائباً للرئيس، النيوزلندي ديفيد باراغوانت، السويدي كييل إيريك بيونبرغ واللبناني عفيف شمس الدين.
وتعتمد المحكمة في تمويلها على صندوق ائتماني أنشئ خصيصاً لتلقي التبرعات من دول عدة، إضافة إلى مساهمة أساسية من الحكومة اللبنانية.
وتطبق المحكمة الخاصة القانون الوطني. إذ أن النظام الأساسي ينص على أن المحكمة الخاصة يجب أن تطبق أحكام القانون الجنائي اللبناني الخاص بقواعد إجراء المحاكمات والعقوبات المفروضة على الأعمال الإرهابية والإجرامية والاعتداء الذي يهدد الحياة والسلامة الشخصية من جملة أعمال أخرى، باستثناء عقوبة الإعدام وعقوبة الأشغال الشاقة اللتين ينص عليهما القانون اللبناني.
وتتمتع المحكمة الخاصة بصلاحية فرض عقوبات يمكن أن تصل إلى عقوبة السجن المؤبد مدى الحياة. تنفذ العقوبات في دولة يعينها رئيس المحكمة الخاصة من قائمة الدول التي أعربت عن استعدادها لاستقبال الأشخاص الذين أدانتهم المحكمة.
أما معايير العدالة التي ستتبعها المحكمة، بما فيها مبادئ قواعد الإجراءات القانونية فتستند الى أرقى المعايير الدولية المعمول بها على صعيد العدالة الجنائية المطبقة في المحاكم الدولية الأخرى.
حفاظاً على استقلاليتها، ينص نظام المحكمة الأساسي على ضمانات منها إجراءات دقيقة وشفافة في تعيين الموظفين القضائيين وعلى وجه الخصوص القضاة والمدعي العام. وينص النظام الأساسي على أن الدوائر ستتشكل من قضاة لبنانيين ودوليين. ويتوخى من إنشاء المحكمة الخاصة بغالبية من القضاة الدوليين ومدعٍ عام دولي ورئيس قلم دولي، ضمان الاستقلالية والموضوعية والحياد في إجراءات المحاكمة، فضلا عن تأمين العدالة للمتهمين. إذ أن أحكام النظام الأساسي تتضمن حماية حقوق المتهمين، بما فيها إنشاء مكتب دفاع مستقل إداريا. وتنص أحكام النظام الأساسي ايضاً على حماية حقوق الضحايا من حيث التعبير عن وجهات نظرها وشواغلها، إذا ارتأت المحكمة ذلك. كما أن أحكام النظام الأساسي تشير، بغية ضمان كفاءة المحكمة، إلى تعزيز سلطات المحكمة من حيث اتخاذ التدابير اللازمة لضمان سرعة المحاكمات وتجنب كل عمل من شأنه أن يتسبب بتأخير غير مقبول. ولتأمين قواعد العدل والإنصاف والأمن والكفاءة الإدارية، تقرر أن يكون مقر المحكمة الخاصة خارج لبنان.
خلال سنوات لجان التحقيق الدولية وبعدها في السنوات التي أنشئت فيها المحكمة تعرضت لكثير من الانتقادات والهجوم لتسخيفها ومحاولة إظهارها في موضع التشكيك، ولكن العاملين في المحكمة أظهروا حنكة متقدمة في متابعة التحقيقات من دون الوقوع في فخ الردود السياسية.
أتى القرار الاتهامي، وستبدأ المحكمة عملها، وهذا العام سيتمكن اللبنانيون من رؤية المحاكمات. فالناس في هذا البلد يريدون حماية أبنائهم من القتل، ومنع الاغتيال السياسي الذي دفعوا بسببه أثماناً غالية جداً. هذا العام سيقف اللبنانيون أمام أضرحة رجال الاستقلال الثاني يغنون فرحاً بوصول العدالة إلى هذا المستوى لأول مرة في الشرق.
إنه يوم الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، والشهداء باسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار أمين الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم وفرانسوا الحاج ووسام عيد. إنه عيد للشهداء الأحياء مروان حمادة والياس المر ومي شدياق.