دخلنا إذن وأخيراً في المرحلة المرتقبة، ويفترض مبدئياً ومنطقياً أن تتم مواكبتها بطرق ووسائل مختلفة عن تلك التي شهدناها في السنوات الماضيات.
والكلام في أساسه هنا، موجّه الى أهل الممانعة قبل غيرهم، بل وحدهم. حيث انتهت مرحلة "النقاش النظري"، في المحكمة وأهليتها وما تملك من وقائع وحيثيات وإثباتات، وبدأت على انقاضها مرحلة جديدة، أولها وأساسها الاقتناع بأن التزوير انتهى والتقرير بدأ.. وأن الآليات التي جرى اعتمادها من أجل كسر ذلك المسار الدولي، لم تفعل إلا تأخير وصوله، لكنه في النهاية وصل الى ما أراد… وكبير في بلف الذات والآخرين، من افترض أصلاً ان التعطيل التام لذلك المسار ممكن في زمن المواجهات المفتوحة على مصراعيها.
وسبق وقيل، ان كل شيء جرى اعتماده واختباره من أجل نسف مسار التحقيق أولاً، ثم تعطيل قيام المحكمة ثانياً، ثم التفخيت الممنهج والدؤوب والمدروس بالقرار الاتهامي ثالثاً… ومفاجئا كان ذلك الجهد الاستثنائي والمكثّف الذي بُذِلَ في سبيل ذلك. ولا يزال يُبذل حتى اللحظة، بل وغريب في وقائعه وتفاصيله وجرأته وصلافته، غير انه في نهاية المطاف، راح في مجمله كزبد البحر على رمل الحقائق والوقائع والجدران الدولية قبل المحلية. وما نفع، ولن ينفع، أي "جهد" اضافي يُبذل من أجل محاولة الركّ على فكرة "تشويه" الحقيقة، أو تلطيخها بأي حبر تزويري بلفي، مهما كانت جودة صنعه، علماً أن تلك الجودة ما تمكنت لحظة واحدة، من تغييب حقيقته التزويرية.
مرحلة انتهت، بعد أن بلغ حجم الضيم فيها سقوفاً أعلى من كل ما سبقها.. ضيم النوم على افتراء والاستيقاظ على اتهام، حتى كاد اليأس من القدرة على المشي على أي درب يوصل الى محطة العدالة، يضرب في الأعماق، ويكرسح كل ساعٍ نحو ذلك الحلم. بل طغى الافتراض اللعين، ان تلك العدالة ليست إلا حُلماً في منام، وستبقى في تلك الخانة الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا!
مرحلة انتهت، بعد أن بلغ حجم التوتير والتهييج والتزوير والتهويل والتهديد، ذرى لم يبلغها المسار الوطني التاريخي حتى في أحلك وأمرّ وألعن أيامه ولياليه وويلاته وحروبه ومجازره وحصاراته غير انه في النتيجة الأخيرة، لم يؤدِ إلا الى زيادة الحقن والاحتقان ودواعي وأسباب ومبررات الاصطفاف السياسي والمذهبي، من دون أن يتمكن فعلياً من تحقيق هدفه المركزي بتكسير المحكمة وطمس الحقيقة وتغييب العدالة!
في المرحلة المنتهية، ان بعض أهل الممانعة ركب رأسه، ودخل في لعبة أكبر بكثير من قدراته.
ظاناً انه بتوليفة من تهويل وتوتير وتفعيل على الأرض لأداء ترهيبي خالص، يمكن أن يطوّع إرادة أممية اكتملت حلقاتها وتكاملت عند هدف الوصول الى الحقيقة.. مهما كلّف الأمر!
وفي المرحلة المنتهية، ان بعض أهل الممانعة ركب على منصة الغرور والمكابرة والحسابات الغلط، ولَبَط بقدمه (بل بقدميه) كل فرصة لتسوية تكتفي بالحقيقة وتعلّق العمل بالعدالة (!) كرمى لحاضر اللبنانيين وغدهم، وكرمى لدماء سالت، وما ارتضى أصحابها في زمانهم أن تلوّث نقطة واحدة من الدم، أياديهم البيضاء وسيرتهم النقية.
لا دعوة ممكنة اليوم، أرقى مقاماً، من دعوة أهل ذلك المسار الى الهدوء والتواضع وتوسل أساليب مختلفة تماماً عن تلك التي أتحفونا بها في المرحلة المنتهية.. أساليب في مقدمها، الاقتناع بأن العدالة لبعض اللبنانيين فهي عدالة لجميعهم. وأن نفيها هو أول مسمار يُدّق على حائط الفتنة الكبرى، وأن هذه في المحصّلة لا تستقيم معها، ادعاءات الانتصارات الإلهية، بل الجميع فيها مهزوم الى يوم القيامة!