كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار":
في اطار جولة على الدول العربية، زار السفير الفرنسي المكلف حقوق الانسان فرنسوا زيمراي لبنان مدى يومين والتقى وزير العدل شكيب قرطباوي والامين العام للخارجية وليم حبيب والمدير العام لوكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم (الاونروا) سلفادور لومباردو، وناقش وضع اللاجئين السوريين مع ممثلين للهيئة العليا للاغاثة وجال في مخيم شاتيلا ومركز التوقيف الاحتياطي في الامن العام، وزار خيمة اعتصام أهالي المختفين قسرا في وسط بيروت.
زيمراي، السفير الجوال المعني بحقوق الانسان وصل الى بيروت من عمان، في اطار جولة سعت الى معاينة واقع هذه الحقوق من كثب كما يقول في لقاء مع عدد من الاعلاميين في قصر الصنوبر. وبالتزامن مع سعيه الى نقل مجموعة خلاصات ولدتها التجارب الفرنسية والاوروبية في هذا الشأن، يلاحظ ان رحلته هذه سمحت له بمقاربة مجموعة مسائل في آن واحد، منها عقوبة الاعدام والهجرة واللاجئين، في توقيت اقليمي لافت يجسده "الربيع العربي،" وتطور الاوضاع في سوريا وايران، الى "الحدث الساخن" محليا والذي تمثل في اعلان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وفي حصيلة لقاءاته، يركز على "التزامات لبنان الكبرى" دوليا والمتعلقة بتطبيق الاعلان الدولي لحقوق الانسان، الى اهمية توقيع الاتفاقات الدولية المتعلقة باللاجئين وابرامها والاختفاء القسري، فالانضمام الى الحركة الدولية الداعية الى الغاء عقوبة الاعدام.
واذا كانت مساهمة لبنان اساسية في الاعلان العالمي لحقوق الانسان ولا سيما عبر الاعمال التي قام بها شارل مالك، فانها تحتم في المنطق الفرنسي والاوروبي ان يواصل لبنان دوره الريادي في هذا المجال. دور ربما تضاعف منه الظروف الراهنة والمتمثلة في المفاعيل المرتقبة للقرار الاتهامي. يعيد زيمراي في هذا الباب صوغ الموقف الفرنسي مبلورا سلسلة رسائل تتمثل بالتمسك بمنع الافلات من العقاب والعدالة الدولية التي تشكل المحكمة الخاصة بلبنان احد تجلياتها، ومذكرا بان "احترام حق الدفاع واثبات البراءة وغيرها من المسائل تبدو من الشروط التي تعزز صدقية هذه السلطة القضائية. لذا نشجع الحكومة اللبنانية على دعمها والتعاون معها".
يقر الديبلوماسي الفرنسي والمحامي السابق بصعوبة السير في هذه الاجراءات حتى النهاية، الا انه يعرب في المقابل عن امل بلاده في ان تبلغ الامور خواتيمها في السير نحو الحقيقة، منطلقا في هذا الصدد من تاريخ لبنان وصورته ودوره كمنارة في مسألة حقوق الانسان.
وهل نقل افكارا تتعلق بأوضاع اللاجئين السوريين وسط تضارب الارقام في شأن اعدادهم واوضاعهم؟ يجيب بالتأكيد ان حل المسألة يتم في سوريا، ملاحظا ان "عدم وجود هؤلاء في لبنان يفرض وجود مناخ يحترم الكرامة الانسانية في بلادهم، في وقت نشهد فظاعة مرعبة في القمع (…) كلها مسائل تثير استهجانا شاملا، والشهادات التي تأتينا من هناك مخيفة". واذ يأمل في ان تكون القضية مرحلية ويتم التعامل معهم وفقا لمبادئ الانسانية والاحترام والكرامة، يتحدث عن بعض المخاوف التي نقلها الى المسؤولين عن تداعيات اعادة جنود سوريين طلبوا اللجوء السياسي الى بلادهم: "الحجة التي يتم التذرع بها لعدم الانضمام الى معاهدة معينة هي غير مقنعة، باعتبار ان ثمة موجبات انسانية بحتة. ونأمل ان يكون هؤلاء الجنود على قيد الحياة".
اما بالنسبة الى اللاجئين الفلسطينيين وزيارته الى مخيم شاتيلا، فيقارب الملف من بابه الانساني مثيرا اسئلة تتعلق بالدوافع التي حدت بالمعنيين الى التأخر في تأمين شروط حياة لائقة لهم ومتحدثا عن خطر داهم، اساسه "الابتعاد عن الانسنة". وبينما يتحدث عن حلول سياسية واشتراعية من شأنها تحسين الواقع اللبناني في سجل حقوق الانسان، يرى ان "النضال ضد وقف الافلات من العقاب له بعد عالمي ويتجاوز الرهانات المحلية البحتة، الامر الذي يدفعنا الى دعمه حتى النهاية".
ويبدو ان هذا النضال مع ملف اللبنانيين في السجون السورية واستشراف المرحلة المقبلة لجهة آليات تعاون لبنان مع المحكمة وحسه على المضي في العملية شكلت محاور مشاوراته مع وزير العدل في الساعات الماضية.
واذ يرى ان الذرائع المستخدمة في الربط بين العدالة والاستقرار تقتصر مفاعيلها على المدى القصير، يلفت الى ان "ما يمكن ان نربحه نتيجة هذه المعاهدة يبدو بلا فائدة على المدى الطويل لاننا نشرع تصرفات غير مقبولة. وهذه احد دروس "الربيع العربي".