مشهد مختلف مع ميزان قوى داخلي ومتغيّرات عربية
القرار الاتهامي بتوقيته لمصلحة مَنْ؟
بين الزيارة التي قام بها الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز لبيروت في اواخر تموز العام 2010 مصطحبا معه الرئيس السوري بشار الاسد بهدف استيعاب مفاعيل القرار الاتهامي الذي كان مرتقبا صدوره عن المحكمة وترددت معلومات في حينه باطلاق الملك السعودي وعدا بالعمل على تأجيل صدور هذا القرار، وصدور مذكرات التوقيف عن المحكمة بعد سنة كاملة تقريبا لا يبدو واضحاً اذا كان عامل الزمن او كسب الوقت قد خدم كثيرا. اذ طرأت على المشهد السياسي عوامل تجعل من الصعب بالنسبة الى مصادر سياسية الجزم اذا كان هذا التوقيت هو افضل من السابق اللهم باستثناء ان الحملة السياسية والاعلامية الاستباقية التي شنها "حزب الله" على المحكمة والقرار الاتهامي قد ساهمت في تخفيف الصدمة التي شكلها صدوره بحيث بدا الرأي العام مهيئا لمضمونه، وتاليا فان الوقع النفسي لم يكن دراميا بل احتوائيا.
لكن العوامل الاخرى تبدو بفعل التطورات المتلاحقة في المنطقة والمشهد الجديد في بعض الدول في غير مصلحة المتضررين من المحكمة قياسا على جهود سابقة للمصالحة اطاحها الفريق المعني خلال العام الماضي. وتقول مصادر معنية انه، وبغض النظر عن احتمال تجاوب المتهمين، فان المسألة لا تتصل فقط بنأي اهالي من اغتيلوا كافرقاء سياسيين عن اتهام افرقاء سياسيين آخرين بل بنأي من سينوب عن المتهمين سياسيا في الدفاع عن اخذ الامور الى ما يطالب به الفريق الآخر اي اقحام هؤلاء انفسهم كطرف او فريق متهم على غرار ما حصل ابان الاشهر الماضية. لكن في حال حصول ذلك على ما هو متوقع، فان المتغيرات تتمحور على مجموعة نقاط:
– هل ان تسريب مضامين القرار الاتهامي على مراحل هو المأخذ الذي سترفض على اساسه المحكمة في حين شهد العام المنصرم ولاشهر عدة تسريبات لأهم التقارير الديبلوماسية الاميركية التي بنى افرقاء الحكومة الحالية مواقفهم من خصومهم على اساس صدقية ما ورد فيها ومحاسبتهم انطلاقا من انها تسريبات يمكن توظيفها سياسيا؟
– تعتقد هذه المصادر ان واقع الاتهامات التي القاها عدد من الانظمة العربية التي شهدت انتفاضات شعبية مطالبة بالحرية والكرامة والديموقراطية على اصوليين من "القاعدة" او سواها من السلفيين او على متآمرين في خدمة اميركا او اسرائيل قد اضعفت الذرائع التي يمكن ان تعتمد المنطق نفسه بعدما استهلكت هذه الانظمة هذه الحجج واسقطتها الشعوب نفسها او حتى من تبناها كما هي الحال بالنسبة الى افرقاء لبنانيين سبق ان تبنوا كل الانتفاضات التي حصلت باستثناء الانتفاضة الشعبية في سوريا. وهو الامر الذي يجعل القابلية لهذا المنطق اكثر ضعفا مما كانت عليه الحال لدى اعتماد هذا المنطق لمواجهة المحكمة اقله في حال كانت المراهنة تنصب على محاولة كسب معركة الرأي العام العربي" علما ان الرأي العام العربي بات مشغولا بقضاياه. ومع تعميم منطق المحاكم الدولية التي تطالب بها الشعوب العربية لمحاكمة كبار المسؤولين لديها، من غير المحتمل ان ينظر الى المحكمة الخاصة بلبنان على انها استهداف سياسي لفئة او فريق على ما تم تظهيرها حتى الآن. اذ قدمت المعارضة السورية طلبا لدى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة المسؤولين السوريين، وهناك ملاحقة دولية للعقيد الليبي معمر القذافي وهناك محاكمات محلية تونسية ومصرية للمسؤولين التونسيين والمصريين.
– في انتظار معرفة مضمون القرار الاتهامي والاسباب التي حفزت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فان الصراع الكبير الذي تفجر في المنطقة بين ايران والدول العربية على خلفية سعي ايران الى توظيف هذه الانتفاضات لمصلحتها او الحض على بعضها يثير الخشية من تشكيله اطارا سياسيا لما انطلق في لبنان في 2005. وبعد اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري قبل اشهر قليلة والسعي الى اخذ لبنان نحو معادلة سياسية جديدة وانطلاق المنطقة نحو الثورات الشعبية، من الصعب ان يحظى المنطق الرافض للمحكمة بما حظي به لدى انطلاقه.
– تترقب المصادر المعنية المراحل اللاحقة للقرار الاتهامي في ظل ميزان قوى مختلف في الداخل اللبناني وخارجه. اذ يمسك "حزب الله" بناصية القرار اللبناني بما يكفل تغطيته رسميا من الحكومة اللبنانية باي قرار يمكن ان يتخذه بناء على العبارة السحرية المتعلقة باثارة الخوف على الاستقرار والسلم الاهلي. الا ان القرار الاتهامي يشكل مفصلا مهما في المشهد السياسي ابقي محصورا في لبنان ام تخطاه الى سوريا. اذ ان هذا العامل الاخير يمكن ان يعطي المعارضة في سوريا ورقة في ظل سياسة المواجهة التي يعتمدها النظام ضد الانتفاضة الشعبية كما ان الامور على المستوى الخارجي ستكون مختلفة.
– ان الحوار الداخلي على المستوى الثنائي او الوطني غائب كليا بما يثير تساؤلات حول الحد الذي يمكن ان تذهب اليه الامور في ظل رفض المحكمة وعدم التجاوب معها وفي ظل رفض مصالحة لا يمكن ان يقوم البلد من دونها اضافة الى ابعاد فريق فقد شهداء ويسعى الى العدالة ومعرفة الحقيقة.