ليس هيّناً ما لم يجرِ (!) بالأمس غداة تبليغ لبنان القرار الاتهامي الأوّل من سلسلة قرارات مرتقبة.. بحيث أنّ شيئاً ميدانياً فضفاضاً رجراجاً مُزلزلاً لم يُسجَّل ولم يحدث حتى في أدنى مستوياته.
وفي ذلك تأكيد لا يُجادَل بأنّ الوضع الميداني اللبناني في مجمله، كان في السنوات الماضيات ولا يزال في الأوقات الحاضرات أسير قرار قوى الممانعة وحزبها القائد والرائد فعلياً وعملياً. والباقي لم يكن آنذاك وليس اليوم إلاّ ردّ فعل تلقائياً وفرعياً على فعل سياسي ومركزي إن كان في الشارع أم في المؤسسات.
لم "يحتفل" جمهور 14 آذار عموماً وأهل "المستقبل" خصوصاً بصدور القرار الاتهامي. ولم تظهر أعراض شماتة أو كيد في أي تصريح أو تلميح أو حركة ميدانية، بل جرى تلقف القرار المنتظر بمهابة وهدوء تنفيذاً في الدرجة الأولى لتوجيهات واضحة حاسمة، ثم الأهم من ذلك كانعكاس أمين وبريء وعفوي لمناخ مدني لم تعكّر صفو سمائه إلا تلك الهبّات المتفرّقات التي سُجِّلت هنا وهناك في لحظات غضب طاغية!
وذلك الأداء المدني ليس إلا ترجمة لثقافة سياسية تراكمت على مدى السنوات المديدة السابقة، أو هو، في مصطلح آخر، وليد بيئة حاضنة ترى في العسكرة الدائمة نقيضاً لسوية العيش في مجتمعات حديثة، وتسعى في سياق تكتي واستراتيجي إلى تلفّح غطاء الدولة وبنيانها ومؤسساتها وأجهزتها، حيث هي وهي فقط أمّ البدائل التامة عن كل هريان سنوات الحرب الأهلية والتهشيم الذي لحق بالبنى الرسمية على كل مستوياتها.
ثم بعد ذلك وفوقه، ما لم يحصل بالأمس يُعيد تركيب الصورة ضمن كادر صحيح المقاسات. حيث أنّ قصّة 14 آذار وجمهورها من أولها حتى آخرها، ما كُتبت إلاّ على أساس توسّل الأطر الديموقراطية المألوفة والمعروفة في مواجهة بنيان أمني عسكري حزبي، واعتماد سلاح الصوت في مواجهة صوت السلاح، والجمهرة الحاشدة السلمية والمدنية في مواجهة العصبة المسلحة قبل أن تكون حاشدة.
ولا جدال في قدرة تلك الممانعة على التحشيد والتسليح، ولا على الانخراط "المبدئي" في لعبة الانتخابات والتصويت.. بل في كل أشكال وممارسات وطقوس السياسة اللبنانية في شقّيها الرسمي والاجتماعي المألوف.
.. الإضافة الواجبة شرعاً وحكماً هنا تختصر الفحوى الأخير والنهائي: في كل مرة حَصَدَ فيها التيار الممانع نتائج خاسرة "لخياره الديموقراطي"، كان سلاحه جاهزاً حاضراً ناضراً.. والمناسبة الراهنة الخاصة بالمحكمة الدولية هي المثال الأبرز والأهم، بحيث أنّ كل يومياتنا منذ انطلاق التحقيق الدولي مروراً بإنشاء المحكمة وصولاً إلى القرار الاتهامي، إنما قامت في ساعاتها ودقائقها على مفردة السلاح، تارة بالتهديد باستخدامه وطوراً باستخدامه من دون حَرَج!
وفوق فوق ذلك، فإنّ قوى 14 آذار وجمهورها تحمل مشروعاً أهلياً سلمياً دولتياً شرعياً تسووياً، نافياً للفتنة ورافضاً لها، على المستوى الوطني العام وعلى المستوى المذهبي الخاص.. فيما المشروع الممانع يسرح ويمرح على ساحة نزال ونزاع مناقضة في حيثياتها ومفاهيمها لكل ما سلف، ولا يهّم في سياق ذلك، إن دربكت الدنيا بالفتنة وأفاعيها إذا كانت مصلحة مشروعه تكمن في تلك الجحور!