ظنّ بعضهم ان صمته نابع من مصلحة سياسية، تقضي ان يشارك في الحكومة، وظنّ بعضٌ آخر ان غيابه نابعٌ من نية في اعتزال العمل السياسي، يقتضي ان يبتعد عن الاضواء، وظنّ ثالث، أن الياس المرّ يسعى عبر الصحافة الى اجترار منبر يدرّ عليه حالة سياسية افتقدها في يوم من الايام؛ لكن هذه الظنون وان كذبت، فانها افادت، اذ دفعت كاتب هذه السطور لقول غيضٍ مما يقف وراء الصمت، لدى الياس المر نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع الوطني، ومما يتوقف عليه الكلام، لدى الارثوذكسي الأبرز، او فلنقل أحد ابرز وجوه "المستقيمي الرأي"، ولكن وقبل كل شيء… الياس المرّ المولود حديثاً بعد قتلٍ لم ينجح في اجتياحه، لأن العليّ قالَ… فكانت له حياة!
سمعتُه أمس الاول عبر "كلام" الزميل مرسيل غانم، فاستمعت الى ثورة هادرة في داخله، وغضبٍ على قلة في وفاء، لمن كان وفياً بالرغم من كل الطعنات، ولم يتخلَّ حتى حين تخلّى اصدقاء "صدوقين" ولا قاعدة شعبية لهم.
ولم ينشر الياس المرّ يوماً أي سوء، كما يُنشر الغسيل الوسخ بين الاهل غير الاصيلين، بل كان المبادر الى الدفاع عن الموقع الاول، وعن الرمز دوماً، وعن الشخص كذلك، وهو العليم بالاخطاء وبالارباكات، وصولاً الى انكشافها ضعفاً ووهناً امام سائر اللبنانيين.
ولصمتٍ على زغل اراده الياس المرّ، كما يريد رجال الدولة في لحظات الحكم العسير والمتعثّر، ان يبنوا مواقفهم على وقفات جليلات، لا على انفعالات فارغات.
وحكى الياس المر اول من امس، حكى ليعلن جزءاً من حقيقة ابعد مما سمي يوماً "الحقيقة- ليكس"، ووضع اصبعه في عين القاتل ليقول له خسئتَ، ووضع يده على كتف الرئيس العماد سليمان ليقول له، أخطأت.
أخطأتَ لانك لم تفقه أبعاد الاشارة الى "ضعفك"، في تحقيق يفترض ان يبقى طي السرية القصوى والكتمان، وأخطأت لأنك ظننت ان الياس المرّ يصمت طمعاً بحقيبة وزارية؛ وهو يوم أُغدقت عليه حقائب في حكومة الرئيس كرامي رماها جانباً، لأن حكومة كرامي تلك، كانت لإكرام الخطأ وتكريم الاستزلام، فخرج غير آسف وبملء ارادته، بعد سيرة في السلطة التنفيذية هي الاكثر نجاحاً حتى اليوم وبشهادة لبنانيين كثر.
وأخطأتَ حين أخذتك الظنون، أن تأجيل الاستشارات لاسبوع، قد يقدم لك فضيلة على حساب حق الاكثريين في الحكم، والناتج عن انتخابات حكمها الدستور الذي عليه اقسمت حفظاً وحماية، ولم تتحكم بها اهواء المصالح، وانواء الخوف والخائفين.
وأخطاتَ حين ظننت ان المسايرة قد تحمي الجمهورية والتوافق، لتسقط التوافق، وتصبح طرفاً سلبياً في معادلة غير عادلة، وتتساقط حصة هذا التوافق الى يتامة البيئة، في بلد يزداد تشوهاً من الداخل.
ولكن الياس المرّ أخطأ ايضاً، وأخطأ لانه لم يستجدِ مقعداً وزارياً في حكومة ضبابية الموقف من دمه ودماء الشهداء، وممهورة بتوقيعين كبيرين كان يفترض ان يكونا الأشد حرصاً على التوافق، وعلى ما يسمى مجازاً: "الوسطية"!
وأخطأ الياس المر، حين سعى مع سعد الحريري الى تدريع الرئيس ودفعه الى الامام في المعارك المعارك.. نحو الرئاسة. وأخطأ لأنه لم يكترث الى "قصقوصة" ورق ولو صغيرة في ملف اغتياله، "قصقوصة"، لم يسعَ اليها مرؤوسه في حينه، والجيش تحت إمرته والاستخبارات في خدمته.
الياس المرّ ان حكى قال، أخطأتُ في وصفي الرئيس بضابط ضعيف، فلتكن الشكيمة والقوة حركةً تصحيحية للماضي وللحاضر، وبكل ما تحمله هذه القوة وتتحمّله من مسؤوليات، ولتكن كذلك عنواناً… للمستقبل!