بعد جمعة «إرحل» بات السؤال أكثر دقة ووقعه أشدّ غلاظة على الذين يركنون إلى نظريّة «إلى الأبد»، ويتمسكون بوهم يخالف الطبيعة البشريّة والسياسيّة والطبيعة الطبيعيّة أيضاً، والتاريخ حافل بممالك وإمبراطوريات زالت، على الأقل التاريخ القريب منذ كانون الثاني الماضي يؤكّد هذه النظريّة سواء في تونس أم مصر، والعقدان الثاني والأخير من القرن العشرين يؤكّدان نظرية انهيار الإمبراطوريات الكبرى سواء إمبراطورية روسيا القيصرية أو إمبراطورية الإتحاد السوفياتي المنحلّة في العقد الأخير من القرن الماضي، البعض المتوتّر والقلق من انهيار ما ظنّ أنه سيدوم إلى أبد الآبدين لا يريد أن يطرح على نفسه السؤال: ولكن.. ماذا لو رحل النظام فعلاً؟!!
مجدداً يطلق رجل الأعمال رامي مخلوف العنان لتصريحاته «المأزق»، فآخر ما نقل عنه تصريح اقتصادي يخيف أي دولة بل ويخيف أي عقل اقتصادي يُدرك حجم أزمة الاقتصاد السوري المترنّح أصلاً ومنذ ما قبل اندلاع الثورة، آخر ما نقل عن مخلوف قوله: «إنه وبما يملك من إمكانيات وضعها في سبيل أعمال الخير لن يتوانى عن التدخل لحماية الليرة السورية حيث يحتاج الأمر لتدخل»، ونقل عن مخلوف طمأنته للتجار ورجال الأعمال وصغار المودعين قائلاً: «من يملك دولاراً فليغير ما يدخره منه إلى الليرة السورية لان قيمة الدولار ستنهار قريباً في مقابل الليرة وإن غداً لناظره قريب»!!
إذا كانت هذه هي النظرية الاقتصادية التي يعد بها مخلوف لحماية الليرة السورية، فعلى الليرة السوريّة السلام!!
يأتي هذا الكلام في وقت كانت فيه مواقع سوريّة تتداول بالأمس معلومات عن حسم مبلغ 500 إلى 650 ليرة من رواتب أغلب الموظفين الحكوميين الذين تسلموا رواتبهم كتبرعات، قيل إنّها «عفوية»، لدعم الليرة السوريّة مع ملاحظة أنّ الغالبية من الموظفين لم يتسلموا رواتبهم حتى الأمس، الأمر الذي يرسم علامة استفهام حقيقيّة عمّن يدعم الليرة السورية، هل هو رجل الأعمال الخيرية رامي مخلوف أم الشعب السوري؟!
والسؤال الأخطر الذي يطرح نفسه هنا: هل يقوم اقتصاد دولة على رجل أعمال واحد، أم على منظومة اقتصادية متكاملة بدءاً من المصرف المركزي الذي يفترض أن يتدّخل هو لحماية الليرة وعلى منظومة مصارف متكاملة تحمي العملة الوطنيّة؟!
بعد «جمعة» إرحل يوم أمس الجمعة بات الوضع أشد دراماتيكيّة أمام النظام في سورية وعلى مستويات عدّة، فلا اجتماع شكلياً لمائتي شخصيّة معارضة منحه صفة «ديموقراطي»، ولا الحلّ الأمني استطاع أن يخنق صوت الشعب السوري الذي تزداد حدّة تظاهراته تصاعداً مع انضمام مدينة حلب وهي الرئة الاقتصادية لسورية، بصرف النظر عن الكلام الأميركي السخيف الذي يكيل بمكيالين ولا يرى إلا ما يناسب مصالحه ويبدو أن ليس من مصلحة أميركا ـ ولا إسرائيل أيضاً ـ التغيير الذي يطالب به الشعب السوري!!
وفي الوقت الذي تطالب فيه أميركا بتحقيق شفّاف في أحداث ميدان التحرير يوم الخميس الماضي، كانت هيلاري كلينتون تكرّر معزوفتها الأميركيّة المملّة في انتظار سقوط المزيد من الضحايا، فيما تسخر المواقع السورية من تصريحها بالقول: «لم ينفذ الوقت بعد الذي تراه كلينتون ينفذ بالنسبة إلى الرئيس بشار الأسد..منذ أسابيع»!! والأدهى والأمر أن كلينتون تدّعي أنها «مصدومة»ـ وخير ان شاء الله، من أي شي انصدمت ـ بحسب قولها: «لقد صدمت بالمعلومات الأخيرة حول استمرار أعمال العنف على الحدود وفي حلب حيث تعرض متظاهرون للضرب وللمهاجمة بالسكاكين من قبل مجموعات منظمة من قبل الحكومة وقوات الأمن»، كلينتون لم تسمع ربما بالدبابات التي تقصف المدن السورية ولا عن إطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين العزّل!!