#adsense

حتى لا يكون أحد أكبر من بلده فعلاً!

حجم الخط

غريبة هذه المعادلة التي يريد بعض اللبنانيين أن يضع البعض الآخر، فضلاً عن المنطقة والعالم، بين فكيها: إما العدالة أو الاستقرار.

لكأنهم، بمعادلتهم هذه، يريدون أن يقنعوا الناس بأن العدالة والاستقرار نقيضان لا يلتقيان، أو بأنهما نفيان لا يستقيم أحدهما مع الآخر، مع أن العكس تماماً هو الصحيح، إذا لم يكن يجوز القول بثقة إن العدالة هي إحدى ركائز استقرار المجتمع، تماماً كما هو الاستقرار ركيزة من ركائز العدالة فيه.

لماذا يحدث ذلك؟. لأن جريمة كبرى، بحجم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان له فعل الزلزال في لبنان والمنطقة والعالم، أمكن للتحقيق الدولي فيها، بعد ستة أعوام من "المقاومة" الدائمة وبمختلف الوسائل من جهة و"الممانعة" الشرسة والمتعددة الوجوه من جهة ثانية، أن يميط اللثام عن بعض ما اكتنفها من خلفيات وتعقيدات وأسرار… ولو لم تكن كاملة أو كافية بعد.

ولماذا أيضاً؟. لأن ما يسمى "استقراراً لبنانياً" تعرض قبل الجريمة وبعدها، وما يزال عملياً حتى الآن، لمختلف أنواع التهديد تحت عناوين لا دخل لها لا بالعدالة ولا بالاستقرار في لبنان. بل أكثر من ذلك، لأن اللبنانيين جميعهم شهدوا، بعد الجريمة الأولى، عدداً من جرائم الاغتيال الأخرى التي استهدفت، قبل أي شيء آخر، كم الأصوات المطالبة بمجرد معرفة الحقيقة… حتى لا نتحدث عن إحقاق العدالة.


هل هذا فحسب؟.

غني عن البيان أن قصة إنشاء "المحكمة الخاصة بلبنان" كانت أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة في التاريخ القديم. ومثلها، كانت كل مرحلة من المراحل تنتهي بصياح الديك أو ما يشبهه، لتعود الراوية والرواية معاً الى سيرتهما الاولى في الليلة التالية. ومنذ اللحظة الأولى التي ذكرت فيها كلمة "تحقيق دولي" بعد ساعات من الجريمة، الى حين صدور القرار الاتهامي قبل أيام، لم تتبدل أي من الراوية من جهتها أو الرواية في حد ذاتها: الظن بتسييس التحقيق… وأي سياسة وأي تحقيق؟!.

ولإنعاش ذاكرة من ملّ تكرار الحكاية، فقد لجأ البعض اياه الى رفض استقدام خبراء تحقيق دوليين في البداية، ثم طلب أن يكونوا مجرد مستشارين لمحققين لبنانيين، الى أن قبل على مضض استقبال لجنة تقصي الحقائق التي ترأسها الايرلندي بيتر فيتزجيرالد. وبقية الحكايات معروفة للجميع: اعتراض ثم اعتكاف ثم تحفظات وملاحظات ثم استقالة، وصولاً في الفترة الأخيرة الى "الاعتكاف" داخل مجلس الوزراء نفسه بدعوى ما يسمى "شهود الزور"، ثم إقالة الحكومة كلها وتشكيل حكومة جديدة.

الجديد هو هذه المعادلة الغريبة العجيبة (معادلة العدالة في مواجهة الاستقرار) التي بدأ الحديث عنها بعد تسرب معلومات صحافية عن احتمال توجيه الاتهام الى أفراد ينتمون الى "حزب الله" ومسؤولين إيرانيين وسوريين بالتورط في الجريمة المروعة، وربما في بعض الجرائم التي تلتها، بدعوى الخشية من أن يؤدي الاتهام الى فتنة مذهبية لا يريدها أحد من اللبنانيين على اختلاف طوائفهم، ومن الطائفتين السنية والشيعية بشكل خاص.

وإذاً، فلماذا الهروب الى الأمام اذا كان أحد من اللبنانيين السنّة أو الشيعة لا يريد إدخال البلد في فتنة مذهبية، وإذا كان الاتهام في حد ذاته يطال أشخاصاً (يتمتعون بقرينة البراءة كما يُقال في القانون) وليس حزباً أو جهة سياسية أو حتى طائفة بعينها؟. بل وأكثر، إذا كان أصحاب المعادلة أنفسهم يرددون ليل نهار أنهم حريصون على السلم الأهلي وعدم زج البلاد في فتنة طائفية أو مذهبية، وحتى على معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟.

الواقع أن أحداً لا يكلف نفسه عناء الإجابة عن هذه الأسئلة. هم يضعون العدالة في مواجهة الاستقرار، ويكادون يعلنون جهاراً نهاراً أن تحقيق العدالة في هذه الجريمة (بما يعني في أي جريمة أخرى أيضاً) لا يمكن أن يكون إلا على حساب الاستقرار والسلم الأهلي في البلد.

لكن الأفدح من ذلك كله، ما ذهب اليه رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط في المدة الأخيرة عندما اقتبس عبارة الراحل الكبير القائلة بأن "لا أحد أكبر من بلده"، ليبرر بها المعادلة الغريبة العجيبة هذه.
ذلك أنه لا شك في أنه "لا أحد أكبر من بلده"، بل ولا يمكن أن يكون، لكن ما يبدو غائباً عن الذهن هو أنه لا ينبغي لأحد في الوقت نفسه أن يتوهم نفسه أكبر من بلده. وينطبق ذلك، قبل غيره وأكثر من غيره، على من يرتكب جريمة موصوفة، فضلاً عمن يهدد السلم الأهلي أو يظن أنه يستطيع تهديده، عندما تكون هناك عدالة أو لا تكون.

والسؤال الذي يطرح نفسه مباشرة هنا هو: ما الفرق، في حالة ما إذا كان الاستقرار أهم من أي شيء آخر، بحجة أن البلد واستقراره "أكبر من أي أحد"، بين من يرتكب جريمة سياسية مثل جريمة اغتيال الراحل الكبير ومن يرتكب جريمة سرقة عادية أو اعتداء فردياً إذا كان، أو كانت عائلته أو قبيلته أو طائفته، قادرة على تهديد الاستقرار والسلم الأهلي في البلد… أو حتى في منطقة معينة منه؟.

وأي استقرار للمجتمع، وأي عدالة فيه، هما بالتالي هذان الاستقرار والعدالة اللذان تفترضهما تلك المعادلة الغريبة؟!.


لا استقرار من دون عدالة، فكيف إذا كان على حسابها؟، ولا عدالة من دون استقرار ولا يمكن أن تكون على حسابه.

هذه هي المعادلة الحقيقية بكل بساطة، وفقط عندما يُساق المتهمون بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، وبكل الجرائم الأخرى التي عاشها اللبنانيون في الأعوام الماضية، يمكن أن يُقال إن استقراراً من نوع ما على وشك أن يقوم في لبنان.

وساعتها فقط، تصح مقولة الرئيس الشهيد أن "لا أحد أكبر من بلده". وعملياً، فقبل أن تحين تلك الساعة ـ ولا بد أن تحين ـ يكون الذين يتجرأون على ارتكاب الجريمة، أي جريمة، هم الذين يستطيعون أن يقولوا بملء أفواههم إنهم أكبر من بلدهم.. بمن فيه أصحاب المعادلة الغريبة العجيبة!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل