إذا كان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون تجنب في تقريره الاخير ذكر أي شيء يتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان وقرارها الاتهامي، وهو بحكم منصبه المؤتمن على تنفيذ قراراتها، فكم بالاحرى الطاقم السياسي اللبناني بشقيه الحاكم والمعارض، وهو من يتوجب عليه أن يتجنب لا مجرد التعليق بل استيلاد سجالات كأن القرار الاتهامي هو بمثابة الاقتراب من حتمية الادانة، وكأن مراحل المحاكمة هي بمثابة تأكيد الاتهام وليست الى اصدار حكم قد يدين المتهم – أو المتهمين – أو يبرئهم أو تبرئة البعض منهم. ثم ان موقف المعارضة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة "ان هذا القرار ليس حكماً بل اتهام والمتهم يحتفظ بقرينة البراءة حتى تثبت ادانته أو براءته، كما انه يستهدف الشخص المتهم حصراً… ولا يشمل عائلته أو طائفته أو جماعته…"، هو موقف صحيح ومستقيم وينطوي على استيعاب لدور تمهيدي للمحاكمة، وبالتالي يكون للمحكمة اصدار الاحكام ولا تكون عملية الاشتباه مدخلاً الى تثبيت التجريم، مما يؤكد المبدأ القانوني السائد بكون المتهم – أو المشتبه فيه بريئاً الى أن تثبت ادانته.
لا يندرج هذا الموقف في اطار التحريض، وبالتالي يجب ألا يرد عليه بالتهديد، وان ما هو حاصل فلتان في ضبط مصطلحات تنطوي بدورها على توظيف القرار الاتهامي كأنه سوف يؤدي الى الادانة. كما يبدو لي ان دقة التعبير التي ميزت بيان الرئيس السنيورة تنطبق على الاعتراض على ما ورد في البيان الوزاري، وتحديداً الفقرة المتعلقة بالمحكمة التي تؤكد ان الحكومة "… ستتابع مسار المحكمة الخاصة بلبنان التي انشئت مبدئياً لاحقاق الحق والعدالة…". وقد اعتبر بعض سياسيي المعارضة ان هذه العبارة تعني عملياً ان حكومة الميقاتي قد تنصلت عملياً من التزامات لبنان في هذا الموضوع. كما أوحت ان "ما جاء في البيان الوزاري يوقع لبنان في فخ الانقسام الداخلي والمواجهة مع المجتمع الدولي. كيف تكون متابعة الحكومة مسار المحكمة تنصلاً من التزامات لبنان ومدخلاً الى التحريض؟ وكيف توصف "متابعة مسار المحكمة الخاصة" كأنها تخلٍّ من الحكومة عن مسؤوليتها؟ إذا لم "تتابع" فماذا عليها أن تفعل؟ هل تتدخل في مسارها؟ هل يمكن أن يكون لها حق المشاركة في مسارها؟ قد يكون هناك سوء فهم يستوجب بالتالي التوضيح أو الحوار والاستفسار، وعندئذ يكون للمعارضة الحق، أما أن تصبح "متابعة مسار المحكمة" مدخلاً الى التحريض بدلاً من مدخل للتصحيح فهذا يكون منسجماً مع المشاركة الوطنية في وحدة الموقف لا تجاه المحكمة بل مساهمة في عدالة نتائجها.
•••
يستتبع ان ما اورده السيد حسن نصر الله في بيانه الليلة الماضية وأهمه القرائن التي قدمها في ما يتعلق باسرائيل لم يشملها التحقيق الذي جرى وأدى الى إدانة عناصر من حزبه مما جعل موقف "حزب الله" السعي الى ترسيخ مناعته بالقول بأنعدم شمول القرائن التي تقدم بها بمثابة برهان على تحيّز التحقيق ودليل على التسييس. صحيح ان اعتقال الضباط الاربعة ومن ثم اطلاقهم بعد اربعة اعوام يشير الى خلل سابق وظالم في المراحل الاولى من التحقيق، وفي رأي قائد المقاومة قد تكون التحقيقات اللاحقة والتي آلت الى القرار الاتهامي الحالي مشكوكاً في مهنيتها… وهذا حق.
الأهم ان الوقت حان لتأخذ المحكمة مجراها وتتمكن من تأكيد الحقيقة التي طال زمن السعي الى اكتشافها… والعدالة التي وحدها تضمد الجراح وتساهم في تخفيف المعاناة وترضي الوطن والشعب الذي بقي على اجماعه في التزامه معرفة الحقيقة التي وحدها تلبي شروط العدالة… بعد انتظار طويل.
الأهم ان لبنان يتابع كما المجتمع الدولي هذه المسيرة ولا بد ان يمحو من سلوكه ومن توقعاته اي احتمالات تهدد امنه الوطني وامانه الانساني.