لا نشك لحظة في انه جرى اسقاط الحكومة السابقة، والإتيان بالرئيس نجيب ميقاتي والحكومة الحالية لسببين أساسيين: الأول مواجهة القرار الإتهامي والمحكمة الخاصة بلبنان، والآخر تأمين عمق لبناني للنظام في سوريا الذي يواجه أزمة بقاء غير مسبوقة. ولا نشك لحظة في ان ميقاتي كان يعرف منذ اللحظة الاولى التي اختير فيها خلفا لسعد الحريري انه آت في إطار المهمة المشار اليها، وعليه ترتكز استراتيجية "حزب الله" والنظام في سوريا في لبنان. ففي لبنان ليس ثمة "وسطية" بل فريق إما مستسلم او متواطئ مع "المطلوبين"، وهو بسياسته انما يؤمن حماية قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر شهداء ثورة الارز من القادة الاستقلاليين، كما انه يتواطأ في شكل لا لبس فيه مع نظام يمعن في قتل شعبه منذ اربعة اشهر ويضع الأمر تحت بند ما يسمى "العلاقات المميزة مع سوريا". فالمواجهة الحقيقية ليست وفي هذا الاطار مع وكلاء لا يحسنون سوى التلطي خلف كلام سخيف عن السلم الاهلي يوجهونه شطر الضحية واهل الضحية ولا يجرؤون على رفع رؤوسهم في وجهة الجلاد. ولعل قمة الإساءة الى ارواح الشهداء تتلخص في تحريف كلام قول رفيق الحريري "ما حدا اكبر من بلدو" وتوجيهه الى الضحية بدل توجيهه الى الجلاد. ولكن معذورون من لم يسمعوا هتافات شعب سوريا العظيم في وجه جلادها "الموت ولا المذلة".
في سوريا "جمعة ارحل" يتظاهر فيها ملايين السوريين في اكثر من 160 بلدة ومدينة في طول البلاد وعرضها مُسقطين شرعية نظام انتهى قبل ان يسقط. هم يسقطون الاصنام، ويدفنون ارث الجلاد، وبعض من عندنا يتمسك بتفكير متحجر، وبشعارات ضلّت وجهتها. هم يواجهون الرصاص الحي وقذائف الدبابات بالصدور العارية، وبعضٌ من عندنا يدفنون رؤوسهم تحت رمال الاستبداد. هم قدموا حتى اليوم 1600 شهيد للحرية والكرامة وبعض من عندنا يدفعهم اغراء السلطة الى تمجيد سجنهم وتعفير وجوههم.
ان كان للثورة في سوريا من انجاز، فهو انها تخط كل يوم سطورا في النضال الحقيقي من اجل الحرية والكرامة. وهي ثورة سياسية وانسانية عربية كبرى نقف امامها خاشعين، ونقول انه من المعيب ان يبقى في لبنان من يستطيب العيش في "السجن العربي الكبير" في زمن يخرج فيه ملايين السوريين ليحطموا جدران السجن الذي قتل أول الشهداء كمال جنبلاط لرفضه دخوله.
في لبنان، ويا للأسف، ثمة من يقف بجانب القتلة، وثمة من يندفع اندفاعا، وفي شكل مخجل، ليستظل قتلة الاطفال في سوريا وقتلة الاستقلاليين في لبنان. ومن يتحدث عن اخطار الفتنة واضعا اياها في خانة العدالة انما يعرف قبل غيره ان لا قيامة للوطن ومعظم اللبنانيين على يقين أن في بيتهم… قاتلا، وطالما بقي ثمة من يستطيب طعم الظلم والهوان في عصر الحرية والكرامة والعدالة الآتية.