قدرُ لبنان ان لا يرتاح وان تظل اوضاعه متحركة ومضطربة، فلا يكاد بحره يهدأ حتى يعلو الموج مجدداً ، ولا تكاد سماؤه تصفو حتى تتلبد بالغيوم من جديد … وكأن قدر اللبنانيين ان لا يرتاحوا وان لا ينعموا بالسلام والطمأنينة وان يواجهوا دائماً الاستحقاقات والتجارب والتحديات الصعبة . ولعل القرار الاتهامي الصادر منذ ايام هو التحدي الاصعب والادق الذي يضع الاستقرار والوحدة الوطنية على المحك ويضع البلاد على مفترق طرق خطر.
ولكن رغم كل شيء لا يجب الغرق في الاحباط واليأس ، وانما يجب أن نرى الصورة المشرقة من الصورة اللبنانية لا الصورة المعتمة ، وان نتذكر دائماً ان وراء الغيوم الداكنة شمس ساطعة وخلف كل المشاكل والمصاعب والتوترات يرتسم مشهد لبناني آخر وأفق مستقبل واعد.
ومن هذا المنطلق وعلى رغم دقة الاوضاع وخطورتها والقضايا الساخنة المطروحة على الساحة اللبنانية من المحكمة الدولية إلى البيان الوزاري ومنح الثقة للحكومة وغيرهم قررت الخروج هذا الاسبوع عن الكلام السياسي لأن الناس سئمت السياسة واهلها وكفرت بالوضع القائم ولم يعد باستطاعتها سماع صريخ السياسيين على الشاشات ولا تبادلهم التخوين والشتائم والتهديدات فيما بينهم والتي يطلقونها بين الحين والآخر تارة عبر الشاشات وطوراً عبر المنابر وطوراً عبر وسائل الاعلام المسموعة والمقروءة وهذا ما جعل الحياة السياسية في لبنان تنحدر إلى " التحت الذي ليس تحت تحته تحت".
من هنا أردت أن اضيء على أحداث مضيئة وهامة لم تأخذ حقها الطبيعي في وطننا بسبب هذا الصخب السياسي وهذه الاجواء المتشنجة وان ننظر مع اللبنانيين إلى النصف الملآن من الكوب لا النصف الفارغ.
قبل أيام ارتفع أسم لبنان وسطع نجمه في العالم، وكتب بأحرف من ذهب إنجاز لبناني جديد عندما انتخب الكاتب أمين معلوف عضواً في الاكاديمية الفرنسية، ليدخل " مجمع الخالدين " ويخط بفوزه لحظة مليئة بالتأثر والانفعالات العاطفية والوطنية. فالاكاديمية الفرنسية مؤسسة أكاديمية ثقافية تاريخية ذائعة الصيت، نال شرف عضويتها أمين معلوف عن استحقاق وجدارة تقديراً لشخصه ومواهبه ونتاجه الأدبي وتنوعه الثقافي اولاً وهو تكريماً عظيماً له على المستوى الشخصي رفعه إلى مرتبة " الخالدين " ولكنه في الوقت نفسه تكريماً كبيراً للبنان الوطن هذا ، البلد المحب للحياة الذي يشكل ملتقى لثقافات وحضارات عدة كما قال عمدة مدينة باريس في برقية التهنئة إلى أمين معلوف الذي قال ان انتخابه إلى الاكاديمية الفرنسية رمز بالغ الاهمية للبنان ولحظة يعيشها بملء جوارحه وبتأثر كبير.
مبروك للصديق العزيز أمين معلوف الذي عرفته عن قرب خلال فترة اقامتي الطويلة في باريس والذي ارتفع أرزة في سماء الخالدين وارتقى إلى أرفع موقع أكاديمي ثقافي في العالم. ورفع اسم لبنان عالياً مذكراً بدوره الريادي على صعيد الثقافة والفكر والدور المميز الذي أنيط بأبنائه عبر العالم. لبنان الوطن والرسالة يرسل أبناءه رسل سلام ومحبة ونجاح وتفوق إلى كل أقطار العالم ويصدر ثقافة الحوار والانفتاح غير آبه بحروب ومؤامرات شنت عليه.
قبل أمين معلوف كثيرون ومثله كثيرون ايضاً شكلوا علامة لبنانية مضيئة في العالم في مجالات أخرى واثبتوا التميز والابداع والطموح. فها هو كارلوس غصن يبرع في عالم صناعة السيارات تسويقاً وانقاذاً وتعويم المتعثر من الشركات حتى غدا في هذا المجال خبيراً ومرجعاً وملاذاً آمناً … وها هو تشارلز العشي يتصدر علماء الوكالة الاميركية للفضاء ( النازا ) في ابحاثه واختراعاته العلمية ، من دون ان ننسى طموح مكسيم شعيا الذي أضحى مثالاً للشباب اللبناني والمغامر بعدما بلغ قمة أيفرست ووصل إلى ابعد نقطة يصلها انسان في المحيط المتجمد الشمالي.
وكذلك ايضاً المصمم العالمي في عالم الازياء ايلي صعب الذي رفع اسم لبنان عالياً في مختلف أنحاء العالم ولمع اسمه في عالم الموضة فتوالت شهيرات هوليود على طلب ابتكاراته وازيائه امثال شارون ستون ، وكاترين زيتا جونز ، وديبرا مينغ ، ومرسيا كروس ، وهالي بيري وايضاً ملكة الاردن رانيا التي ارتدت زياً من تصميمه خلال تتويجها ملكة على عرش الاردن وهي لا تزال حتى اليوم من أبرز اللواتي يُصمم لهن.
ايضاً وايضاً شخصية لبنانية مميزة في عالم النقد والمال برزت على المستوى العالمي ونالت اعجاب كبار خبراء المال في العالم واستطاعت تحويل لبنان إلى بقعة مالية آمنة وملائمة للاستثمار هو حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة.
أليست مفارقة ان ينال حاكم مصرف لبنان ، هذا الوطن الذي يعتبر من أصغر البلدان من حيث المساحة في العالم ، جائزة افضل حاكم مصرف مركزي في العالم وان يقول عنه رئيس البنك الدولي خلال مؤتمر مالي عقد في نيويورك وأمام حشد من كبار رجال المال والمصارف والاعمال في العالم بأن السياسة الحكيمة التي اتبعها وأصر عليها على رغم معارضة كبرى المؤسسات المالية في العالم استطاعت ان تبقي لبنان في منأى عن تداعيات الازمة المالية العالمية وابعدت الكأس المرة عن لبنان واللبنانيين والمستثمرين والمودعين العرب. وهذا ما جعله موثوق من الناس فكلما أطل سلامة على الشاشة ارتاح اللبنانيون وانفرجت اساريرهم وتبددت هواجسهم لأنهم واثقون من ادارته للملف النقدي وهم يعتبرونه صمام الأمان المالي الذي يحمي مدخراتهم ويحافظ على أموالهم.
طبعاً دون ان ننسى في عالم الفن والموسيقى أسماء لبنانية كبيرة لمعت عالمياً ايضاً أمثال ( فيروز والرحابنة و شاكيرا ) وغيرهم وغيرهم ممن لا مجال لذكرهم اليوم.
الانتشار اللبناني في العالم يزخر بالطاقات والمواهب ، واللبنانيون لم يتركوا مجالاً يعتب عليهم فطرقوا كل الابواب وحصدوا كل الجوائز ولاقوا التكريم والتقدير … وهذا الأمر بقدر ما يبعث فينا الفرح والاعتزاز ويعزز في نفوسنا الشعور الوطني ، يولد لدينا شعور الأسف والأسى على واقعنا المرير في لبنان ويدفعنا إلى اجراء مقارنة مخيبة في نتائجها بين ما هم عليه اللبنانيون في الخارج وما يحرزونه من نجاحات وما يلاقونه من تكريم ، وما هم عليه اللبنانيون في وطنهم وما يلاقونه من مصاعب وخيبات.
نحن نسأل وكثيرون من اللبنانيين يسألون معنا : لماذا اللبناني متميز ومبدع ومتفوق خارج وطنه ، فيما هو في وطنه محدود في طاقته وتفكيره وحتى ممنوع عليه ان يطمح ويحلم ؟! لماذا اللبنانيون في الخارج يسيرون قوافل وزرافات على طريق النجاح والشهرة بينما في الداخل اللبناني يقتلون طموحات هؤلاء المبدعين والمتميزين ونبحث عنهم " بالسراج والفتيلة " ؟! لماذا اللبناني وفي اي مجال أثبت تميزه وتفوقه خارج وطنه لقي الدعم والتشجيع والتقدير والتكريم، فيما اذا وجد لبناني متميز واستثنائي في مهنته ومجاله لا يجد من يشجعه ويقدره ويكرمه، واذا ما حصل ذلك وهو نادراً فإنه غالباً ما يحصل بعد موت المبدع أو المتفوق أو المميز ويكون التكريم بارداً وباهتاً وحزيناً ومن باب رفع العتب؟! ( دون ان ننسى طبعاً الوسام الذي يوضع على النعش ؟؟؟).
الاجابة عن هذه التساؤلات واضحة وبسيطة : فأن ينجح اللبنانيون اينما وجدوا وفي أي غمار خاضوا خارج بلدهم هذا يعني ان المشكلة ليست فيهم وعندهم وليس في " الفرد اللبناني " الذي لديه طاقات ومؤهلات كامنة ولكن تنقصه في بلده الحوافز و "البيئة الحاضنة " المشجعة وكل اشكال الدعم المعنوي والمادي… وعندما يتوافر له كل ذلك في الخارج فإنه يفجر مواهبه ويحلق في فضاء النجاح عالياً وتتوسع آفاقه وتكبر طموحاته…
وهذا يعني استطراداً ، ان المشكلة هي في مكان آخر ومحدد : في الدولة المتهالكة، في النظام المتخلف ، وفي " الزعامات السياسية "… الدولة في تركيبتها ونظامها ومؤسساتها لا ترقى بعد إلى آمال اللبنانيين وليست في مستوى تطلعاتهم وطموحاتهم . هم يتطلعون إلى الأعلى وهي تشد بهم إلى الاسفل. هم ينشدون الافضل وهي تقدم لهم الأسوأ . هم يجهدون كي يتقدموا خطوة إلى الامام لتعيدهم خطوتين إلى الوراء ويظلون في حال المراوحة والدوران في الفراغ .
كيف لشعب ان يتقدم ويبدع اذا كانت حاجاته الأساسية الانسانية غير مؤمنة، ويشعر ان حريته ناقصة وكرامته مهدورة وحقوقه مهضومة ؟! كيف لأنسان ان يفجر طاقاته ويعطي أقصى وأفضل ما لديه اذا كان رازحاً تحت عوز وفقر وبطالة ومسكوناً بهواجس كالطبابة والتعليم والضمان وهي في معظم دول العالم من البديهيات التي لا نقاش فيها ولا جدل حولها استناداً إلى مبدأ العدالة الاجتماعية وواجب الدولة تجاه شعبها وبتأمين أبسط حقوق المواطن من خلال حياة كريمة لائقة .
وإذا كانت الدولة في لبنان أحفقت حتى الآن في اطلاق واحتضان الطاقات والمواهب وفي تقديرها وتكريمها لهؤلاء وهم كثر، فهذا ليس بسبب النظام الطائفي ( في لبنان كل ما دق الكوز بالجرة بيقولوا بعض السياسيين بسبب النظام الطائفي ) فهذا النظام يظل على " علاته " علامة فارقة بين انظمة محيطة بلبنان وشاهداً على خصوصية لبنان وميزته في التنوع الديني والطائفي والثقافي ، وهذا مصدر غنى وحيوية للبنان الوطن والشعب… المشكلة الفعلية هي في السياسيين الذين يحكمون البلد ويستأثرون بمقدراته ويفصلون قراراتهم على قياس مصالحهم الخاصة ، وفي هذه الزعامات المتوارثة التي كثيراً ما توحي انها تدافع عن طوائفها وتحميها وانها حريصة على مصالح وامور وحقوق طوائفها وجماعاتها ولكنها في الواقع والحقيقة فهي تمثل على الناس بدل ان تمثلهم ، وتزيد من أوجاعهم بدل أن تخفف عنهم ، إضافة إلى ان هذه " الزعامات " تدافع عن مصالحها وتفعل كل شيء لتبرر بقاءها واستمراريتها ، وكلما أوغلت في تصوير الخطر المحدق بالطائفة كلما ازداد التفاف الناس العاديين والمساكين من حولها… وكلما زادت هذه الزعامات في تعزيز وجودها في الدولة عبر ضخ المحسوبيات والمحازبين كلما زادت الكتلة البشرية التابعة والمرتهنة لها واقعياً … انه الدوران في الحلقة المفرغة ، أنه مأزق الفساد المستشري على كل المستويات الذي يجب كسره من أعلى إلى اسفل عبر اصلاح سياسي أولاً هو المدخل إلى اصلاحات اقتصادية واجتماعية وإدارية وقضائية.
بعض هؤلاء السياسيون لا يفعلون شيئاً إلا الكلام ولا يتقنون إلا الثرثرة السياسية ومعارك الإلهاء وكسب الوقت وتحويل الانظار والانتباه عما هم فاعلون … يغرقون الناس في متاهات ومعمعات لا طائل منها ولا جدوى ، وفي تفاصبل صغيرة ومملة … ويستسيغون اللعب على الوقت واللعب على اعصاب الناس ، واللعب بمصالحهم وحياتهم ومستقبلهم وعلى حسابهم … يطلون دائماً بوجوه عابسة مكفهرة ويدلون بأقوال متوترة ويعطون تقييماً سياسياً قاتماً للأوضاع ويوزعون الشهادات بالوطنية على هذا ويحجبونها عن ذاك ، ويتكلمون بالعدل والقانون وكأن الله نصبهم قضاة ليصدروا الأحكام المبرمة الغير قابلة للاستئناف بحق بعض شركائهم في الوطن وهم في الحقيقة من يلزمه محاكمة لأنهم مجرمون يحملون في رقابهم دماء مئات والآف اللبنانيين .
لكن في خضم هذه الفوضى السياسية العارمة وهذا المشهد المتوتر ، نرى فسحات أمل في الداخل اللبناني ، وتصميم لدى اللبنانيين على إقامة المهرجانات والحفلات في جبيل وبعلبك وبيت الدين وجونيه وصور وغيرها من المناطق من اجل أضفاء روح الأمل عند اللبنانيين.
فعندما تصدح ماجدة الرومي بصوتها العذب الجميل كما فعلت في جونيه قبل أيام فإنها تاسر قلوب اللبنانيين وعواطفهم وترسم صورة لبنان الجميل ، لبنان الحلم بعيداً عن لبنان الواقع وعن الصورة البشعة التي يرسخها السياسيون بممارساتهم الأنانية وذهنيتهم المريضة .
فلعل وعسى ان يتعظ السياسيون ويتوقفون عن الكلام الكيدي والحاقد الذي لا طائل منه ويدركون انه آن الأوان للانتقال من الأقوال إلى الافعال.
وفي النهاية يبقى لنا ان نقول : هذا هو الفرق بين " البيئة الحاضنة " داخلياً و " الحاضنة " خارجياً فأختاروا أيها اللبنانيون .