طلع علينا زعيم حزب المسلّحين، الحاكم محلياً والمأمور إقليمياً والمطارد دولياً ليقرّ مواربة بأمر الجواسيس المعشّشين في مواقع حسّاسة من جهازه.
ثم طلع علينا الزعيم نفسه بعد أيّام قليلة، في إثر صدور طلائع القرار الإتهاميّ بحقّ أربعة من جهازه، لا لينفي التهم الموجّهة إليه، ولا ليعترف بحدّة الإنقسام المجتمعيّ السياسيّ حول هذه التهم، بين متلهّف للأدلة ومعرض عنها، وبين من يدين أصل الجريمة وبين من هو على أهبّة الإستعداد لتبنيها.
طلع علينا الزعيم المفدّى ليكرّر الحجّج ذاتها التي ساقها منذ تمّوز الماضي إنّما بمحسنات فنية إضافية. منها فيلم "الرجل المعلّق في الفضاء الذي يستلم حفنة من الدولارات" من دون أن نعرف أين وكيف ولماذا. كما أوحى الزعيم المرتبط بمنظومة ثيوقراطية إقليمية أنّه يمتلك أفلاماً محرجة أخلاقياً للمحققين الدوليين، لكنه لن يعرضها لثبات موانع شرعية تحول دون ذلك، ولم تكن لتحول طبعاً دون تصوير هذه الأفلام، ودون الإخبار عنها، غمزاً وأكثر.
وكلّ ذلك بطبيعة الحال كفيل في عرف الزعيم المفدّى بأن يزيد الجمهور إمتاعاً وتشويقاً. والحدث الاهم يبقى هنا. فالمقصد الأساسي هو المحافظة على هذا الجمهور، لا بل استعاض زعيم الحزب عن عقيدة اصطفائية تمييزية سابقة حملت عنوان "يا أشرف الناس" بتوجّه أكثر تواضعاً حمل عنوان "وأخيراً إلى جمهور المقاومة"، أي على شاكلة "جمهور ليفربول" أو "جمهور مانشستر يونايتد".
فالمبتغى الأوّل من كلام الزعيم بعد القرار الإتهامي إستمرار انتزاع التحميس من الجمهور، أي استمرار جمهور المقاومة على عهده في تحميس "منتخب المقاومة"، في مقابل رفض المنتخب التنازل عن أربعة من "هدّافيه" المحترفين ولو لأجل تبرئة ساحتهم بالسند القويّ. هذا على الرغم من أن المنتخب نفسه صارح الجمهور قبل أسبوع بالتمام عن اضطراره للتنازل عن لاعبين من خط الوسط اكتشف أنهم يتعاطون منشطات "موسادية" وزعتها لهم "وكالة الاستخبارات المركزية".. الأميركية!!
وهكذا وبدلاً من التعاطي بمسؤولية مع الواقعة الأساسية، وهي الإغتيال المتسلسل وغير المسبوق إلا في أيّام "الحشّاشين"، لنخبة من رجالات الإستقلال اللبناني الثاني، تجري تصوير المسألة على أنّها مباراة رياضية، بين منتخبين على أرض الملعب، أحدهما مسلّح، وبين جمهورين على المدرّجات، أحدهما مسلّح، فيما ينصبّ الإهتمام على الطعن والتجريح بحكام المباراة، بشكل تكفلت الساعات الماضية في إظهار بهتانه الشديد.
ومنطق المكابرة في هذا المجال لا يتنبه إلى أمرين. الأوّل أنّه، وبقطع النظر عن الحصر القانوني التقني للتهمة بأفراد معينين، فإنّ العلاقات بين الجماعات الأهلية والسياسية اللبنانية لن تستوي إلا بمبادرة جريئة في مجال إحقاق الحق، ابتداء من الكشف عن قتلة نخبة رجالات الوطن، وفي مقدّمتهم الشهيد رفيق الحريري، ومن بين الشهداء أيضاً مؤسس المقاومة الحقيقية جورج حاوي.
وثانياً، ثمّة بالمعيار الواقعيّ المحض، ورطة أدخلنا فيها حزب المسلّحين مع المجتمع الدوليّ، وهي ورطة ستزيد عندما سيصنّف هؤلاء فارين من وجه العدالة الدولية، علماً أن الورطة مزمنة وقد تفاقمت ملفاً في إثر ملف، سنة بعد سنة، وليس جائزاً توهم التعايش معها طويلاً، بالمكابرة حيناً، وبالتذاكي حيناً آخر، وباستسهال إظهار نقيض ما في بواطن القلوب.
أما ما يطلبه الزعيم المفدّى من المجتمع الدوليّ فهو أن يصفّر عداده بشكل مطلق قبل توجيه أي إتهام للكوادر المعنية، في حين أنّه يطلب من أكثرية الشعب اللبناني المعبّر عنها في انتخابات 2009 أن تصمت بكل بساطة، وأن تنسى أمر الحقيقة والعدالة، وهنا ربّما كان المطلوب إفهام هذا الزعيم شيئاً واحداً بسيطاً: وهي أن نصف المجتمع اللبناني بل أكثر مقتنعة بأنّ طلائع القرار الإتهامي موجّهة في الإتجاه الصحيح، هذا في حين أن النصف الآخر من المجتمع، أي النصف الأقلويّ، لم يعد قادراً على التفاعل بـ"التقديس" نفسه الذي كان يكنّه للزعيم المفدّى قبل سنوات، وكان لجولات وصولات هذا الزعيم في الآونة الأخيرة تأثير على التفلّت من هذه "القدسية".